المؤلف:
حسام عواد

مع بداية كل عام دراسي تكون هناك فرصة جيدة لمناقشة المناهج التعليمية خاصة مع وجود شعور عام أننا بحاجة إلى تطوير هذه المناهج على كل المستويات ومع وجود تراجع ملحوظ في مستوى المخرج التعليمي لا يتناسب مع التطوّر الهائل في (التكنولوجيا التعليمية) والتكلفة الباهظة التي تتحملها العملية التعليمية من ميزانية الدولة أو من ميزانية الأفراد.

الجانب المعني أكثر بقياس مستوى التقدم أو التراجع إنما هو الجانب القيمي، ذاك لأن القيم إنما هي المعايير الموثوقة التي نستطيع أن نحاكم إليها كل النشاطات والسلوكيات البشرية على اختلاف مجالاتها وتخصصاتها، وهذا هو المدلول الأساس لمادة (قوم) والتي اشتق منها (التقويم) بمعنييه (التقدير) و (التعديل)، وهما معنيان متلازمان، فالتعديل الصحيح لا يكون إلا بعد تقدير سليم، أما الذين يتحدّثون عن القيم باعتبارها مقولات وعظية وأخلاقية عائمة فهذا تحريف لدلالاتها وتعطيل لوظائفها.

قبل سنوات وفي ندوة علمية متخصصة لمراجعة مناهج التعليم كنت أطرح بعض الأسئلة (المحرجة) مثل: لو كان عندي في مادة الفقه اختبار عن أركان الصلاة فأجاب الطالب عن تسعة من عشرة بمعنى أنه نسي ركنا أو أكثر، فما هو تقديره وفق السلّم المعتاد؟ إنه يحصل على تقدير (ممتاز) مع أن صلاته وفق إجابته هذه باطلة، هذا يعني في مجمل العملية أننا يمكن أن نمنح شهادة امتياز في الفقه لطالب لا يحسن الصلاة! ذاك لأن (صحة الصلاة) لم تعد قيمة معتمدة حتى في التعليم الشرعي! بل إن أساتذة الشريعة ملزمون بمنح درجة النجاح للطالب الذي تكون إجاباته صحيحة في ورقة الامتحان ولو كانوا على يقين بأنه مجاهر بتركه للصلاة وكل الواجبات الشرعية!

كان مدير الندوة -وهو حقيقة أستاذ فاضل- يعتذر عن كل هذا بقوله: يا دكتور هذه السلوكيات الشخصية غير قابلة للقياس!

إذا كانت (الصلاة) غير قابلة للقياس فماذا نقول عن (السلوكيات) الأخرى كالصدق والأمانة والإخلاص والإتقان؟ ومعنى أنها (غير قابلة للقياس) أنها لا تدخل في سلّم التقويم ولا في شروط النجاح، وبالتالي فإنها عمليا لا تكون جزءا من (العملية التربوية) إلا على سبيل المواعظ والنصائح!

بينما كانت هذه القيم حاضرة في تراثنا التربوي بشكل لا نتخيل معه وجود طالب واحد يشذ عنها، فإذا قلت: هذا تلميذ أبي حنيفة أو الشافعي أو البخاري أو أحمد فإن هذه تزكية شاملة لا يختلف عليها اثنان، وهذه التزكية لا تنحصر في أروقة الدراسة وقاعات التعلّم بل المجتمع كله يعرف هذا الميزان ويستعمله في تقويم الأشخاص والأفكار والسلوكيات، ومن هنا ظهر مصطلح (تلقته الأمة بالقبول)، وقدرة المدارس الأصيلة تلك على تخريج أولئك العلماء بتلك الشروط والمواصفات كانت تستند على (فلسفة تعليمية) و (منظومة قيمية تقويمية) متكاملة ومتوازنة بحيث لا تسمح بحصول حالة من الشذوذ أو الاختراق.

أما التعليم المعاصر فمن الواضح أنه قد حصر مسئوليته في دائرة (المعرفة) وما يتصل بها، ومع ما في هذا من تراجع لا يخفى وخلل عام قد يعود على المعرفة نفسها فإن هناك خللا آخر قد يحول دون الوصول إلى أهداف هذا التعليم المعلنة والتي تدور في الغالب حول (سوق العمل)، فالطالب اليوم لا ينظر إلى التعليم إلا أنه محطة عبور نحو الوظيفة ومصدر الرزق، والجامعات أيضا تراعي ذلك وتحاول أن تتماهى مع هذا التوجّه لأنها بذلك تستطيع أن تكسب عددا أكبر من الطلاب وتحقق حضورا جيدا في المجتمع، لكنها قد تقع في غير ما تتمناه حينما تكون أدوات التقويم عندها لا تنسجم مع مواصفات السوق، ولنأخذ هذا النموذج من التعليم الديني بالذات:

تعد وزارات الأوقاف المكان الأنسب للعمل بالنسبة لخريجي الجامعات والكليات الإسلامية، وهذه الوزارات لها شروطها ومتطلباتها الخاصة في التوظيف، والتي قد تتفق أو تختلف مع متطلبات التخرج في الجامعة، فالأوقاف يهمها فكر الطالب وعقيدته وسمعته وقدرته على إدارة المسجد وكسب قلوب المصلين، ولا يمكنها أن تكتفي بشهادته العلمية التي اكتسبها من خلال ورقة الامتحان وبعض الأنشطة الصفّية، وهذه الشروط في الحقيقة ليست شروط الأوقاف فقط بل شروط المجتمع كذلك، فالمجتمع يلاحظ ويدقق في سلوكيّات الأئمة والخطباء أكثر بكثير من انتباهه لمستوياتهم العلمية، وحينما تكون الجامعة غير قادرة على إعداد الطالب بهذه المواصفات فإنه من المتوقع أن يواجه متاعب وعقبات كبيرة تحول بينه وبين التوظيف، والوزارات أو المؤسسات الأخرى أيضا لها شروطها ومتطلباتها والتي تتناسب مع طبيعة عملها، وحتى الإنسان البسيط تراه يسأل عن (السمعة) و (الثقة) سواء ذهب إلى الطبيب أو المحامي أو المقاول، ولا يكتفي بالشهادات المعلقة على الجدران.

إن ذهاب الناس للعلاج في المستشفيات الأوربية ليس لأن الأطباء هناك يمتلكون شهادات أعلى من أطبائنا، ولا لأن مستوى الخدمات أرقى مما في مستشفياتنا، لكنها (الثقة) التي اكتسبها الأوربيون من خلال دقّة المعلومة، ودقة الموعد، ومستوى المتابعة والإتقان، كما إن البناية التي تراها في شوارع روما أو لندن أو باريس والتي قد يكون مضى عليها قرن من الزمان لكنك لا تفرّق بينها وبين البنايات الجديدة إلا من خلال الرقم الذي يثبّت تاريخ الإنشاء ربما لم يكن الذي أشرف على إنشائها يمتلك معلومات هندسية أكثر مما يمتلكها مهندسونا اليوم.

المشكلة حقيقة ليست في مستوى المعلومات ولا في طرائق توصيلها أو تلقيها، المشكلة أعمق وأوسع بكثير.

إن هناك بونا شاسعا بين التعليم الذي يقوم على أساس (التعليم للتعليم) أو (التعليم للشهادة) أو (التعليم للسوق) -مع ما بين هذه المستويات من تفاوت- وبين التعليم الذي يقوم على أساس (بناء الإنسان) و (نهضة الأمة)، إنهما في النهاية فلسفتان مختلفتان تمام الاختلاف، وينعكس هذا الاختلاف في كل مراحل التعليم ومفرداته بدءا من (دافعية التعلّم والتعليم) مرورا بالعلاقة البينية بين (أركان العملية التعليمية) وصولا إلى (الأداء الوظيفي) لما بعد التخرّج.

في تراثنا الإسلامي كان (المتعلّم) هو القدوة والمثال الجيد في مجتمعه، فالعلماء (ورثة الأنبياء)، وهذه الوراثة لا تخصّ التعليم الديني فقط، فالقرآن يشير في غير موضع إلى مجالات العلم المختلفة بنظرة واحدة، ففي قصة يوسف -عليه السلام- وسياسته التي اعتمدها لإنقاذ شعب مصر من الهلاك وإدارة الملفّات المعقّدة في ذلك الوقت جاءت التعبيرات القرآنية (قال اجعلني على خزائن الأرض إني حفيظ عليم) و (كذلك كدنا ليوسف ما كان ليأخذ أخاه في دين الملك إلا أن يشاء الله نرفع درجات من نشاء وفوق كل ذي علم عليم)، وفي التفكر العميق والواسع في مفردات هذا الكون يقول القرآن: (ألم تر أن الله أنزل من السماء ماء فأخرجنا به ثمرات مختلفا ألوانها ومن الجبل جدد بيض وحمر مختلف ألوانها وغرابيب سود ، ومن الناس والدواب والأنعام مختلف ألوانه كذلك إنما يخشى الله من عباده العلماء).

إن ربط التعليم بالمنظومة القيمية الحاكمة في الأمة يجعل من هذا التعليم رافعة كبيرة للنهوض بالأمة وتحقيق أهدافها وطموحاتها، حتى لو كانت هذه المنظومة منظومة (أرضية) لا صلة لها بالثواب (الأخروي)، ومصداق ذلك الدور الكبير الذي تحمّله التعليم في أوربا وأمريكا والصين واليابان مع ما بين هذه الدول من تباين في الدين والقيم والنظرة الكلية للكون والحياة, فالتعليم المنبثق من عقيدة الأمة وفلسفتها ومنظومتها القيمية يجعل المخرجات العلمية تسير في نسق واحد وعلى طريق واحد ووفق معايير موحّدة أيضا مع ما فيها من تخصصات مختلفة واجتهادات متنوعة، فالياباني مهما كان رأيه واجتهاده فإنه يعمل للأمة اليابانية ووفق الأعراف والقوانين الاجتماعية الحاكمة حتى كأنك تتعامل مع نسخ متشابهة من حيث الأداء وأخلاقيات العمل والالتزام بالنظام العام.

إن الهبوط بالتعليم من كونه (رسالة الأمة) إلى كونه (حاجة شخصية) تختلف باختلاف الأشخاص وثقافاتهم ومصالحهم والتي تدور في الغالب ما بين (تأمين الوضع المعيشي) أو (تأمين المكانة الاجتماعية) قد جعل المخرجات العلمية أشبه باللبنات المتناثرة التي لا يجمعها جامع ولا يربطها رابط، وأصبحت الحاجة الشخصية هي المثل الأعلى الذي يلهث خلفه الناس حتى على مستوى (البحوث العلمية) فالباحث اليوم لا يبحث في المسائل التي تحتاجها الأمة بقدر ما يبحث عن المواضيع السهلة أو تلك التي لا تسبب له مشكلة، ويكون الدافع الأساس هو الحصول على الشهادة أو الترقية الوظيفية، ومن ثم تجد عندنا آلاف البحوث التي لم يسمع بها أحد لأنها بالأساس وُلدت في غرف معزولة عن حركة الأمة وتطلّعاتها وإشكالاتها.

لقد رفعت بعض الجامعات شعار (الطالب محور العملية التعليمية) وهذا تطوّر جيد، وفيه تنمية الحس المسئول لدى (الإدارة التعليمية) فهي موجودة بالأساس لخدمة الطالب، وليست سلطة فوقية عليه، وكذلك بالنسبة للأستاذ (المعلّم) فهو موجود لخدمة الطالب كذلك، إلا أن الخوف يكمن في التفسير العملي لهذا الشعار، فثقافة الطالب اليوم المنبثقة من (الحاجة الشخصية) وليس من (رسالة الأمة) ستجعل العملية التعليمية كلها كأنها تسير لتحقيق هذه الحاجة، وربما يظهر هذا في (التعليم الأهلي) أكثر منه في التعليم الحكومي.
 إن جنوح المعلم إلى تحديد صفحات من (ملزمة) أو كتاب حتى على مستوى التعليم الجامعي ليس بالضرورة أن يكون نابعا من قناعة ذاتية أن هذا هو الأفضل للطالب، بل هذا هو الذي يريده الطالب، وهو كذلك يعين على صياغة (الاختبارات الموحّدة) التي تقنع الطلّاب بوجود (وحدة قياس عادلة ومنضبطة)، وهذا من شأنه أيضا أن يحمي الأستاذ من (لجاجة) بعض الطلاب واعتراضاتهم، وفي هذا السياق يأتي التركيز أيضا على (الأسئلة القصيرة) التي لا تحتمل إلا صوابا قاطعا أو خطأ قاطعا!

إن اعتماد الدرجات المحددة والموحّدة بهذا الشكل من شأنه أن يحمي الطالب من (مزاجية) بعض المعلّمين لكنه في الوقت ذاته يساهم في خنق (المعرفة) وتحويلها إلى حروف صامتة وأرقام محفوظة لا فضاء لها ولا روح فيها، وكأنها معلومات يتم تخزينها في شرائح إليكترونية ثم نقوم باختبار كفاءة هذه الشرائح في نهاية الفصل.

إن الخوف من (الإهمال) أو (التحيّز) ومن ثَم (الظلم) وارد في كل مجالات الحياة، لكن ينبغي أن لا يطغى هذا الخوف على كل شيء بحيث يؤثّر سلبا على جوهر الفكرة وأصل الموضوع.
 في مجلس ضم عددا من الإخوة الأطبّاء سألتهم: هل كثرة الإحالة إلى مختبرات الأشعة وتحليل الدم ونحوها نابعة فعلا من حاجتكم إلى التشخيص؟ قالوا: لا، بل هي نابعة من حاجتنا إلى التوثيق، فالتشخيص السريري قد يكون كافيا وهو الأفضل للمريض صحيا وماديا، لكنه يصعب توثيقه، وبالتالي لا نستطيع أن نحمي أنفسنا في حالة حصول أي إشكال.

إن مصلحة الطالب في مقابل مصلحة الأمة، و عدالة الأوراق في مقابل عدالة الضمير، ووحدة القياس في مقابل موسوعية المعرفة ومسئولية التربية، ونحو ذلك كله داخل في باب (التنازع القيمي) الذي يعاني منه التعليم المعاصر، والذي يتطلب منهجية شاملة ومتوازنة ومبنية على أساس الصورة الكلية للمخرج التعليمي الذي نريد.

د محمد عياش الكبيسي