المؤلف:
حسام عواد

هكذا شاهدت فيلم بلال : 
غيبتنا فتوى شرعية عن صناعة الأفلام ؛تلك الأداة التي يتكامل فيها الصوت مع الصورة والأداء ؛ فتؤثر بشكل مقصود لمعانٍ وقيم وتوجهات غير مباشرة تؤثر في صميم عقل المتلقي ؛ والتي تعد لاحقاً جزءاً من ثقافته وأساسا لقواعد بياناته التي يبني عليها تصوراته وانطباعته وآرائه .
غابت صناعة الأفلام لفتوى ؛ كما غابت آلات الطباعة قبل عقود لفتوى قاصرة فحرمنا الثقافة وحرمنا التأثير ، وعدنا لنخترع العجلة من جديد ... فتأخرنا وتخلفنا !
مبرر التعاطي لهذه الجزئية ؛ أنني رأيت كم خسرنا من فرصٍ ؛ طوال العقود الماضية في - إثراء المحتوى العالمي - من مخزوننا التاريخي والثقافي والقيمي ؛ فنحن نملك ما يستحق ؛ ولدينا قيمٌ مثلى ؛ وأبطالٌ يخالهم المشاهد أساطيَر لو ترجمت سيرهم لأعمال فنية موضوعية ؛ بشكل يرمرم تشوهات شعورنا بالنقص -كعرب ومسلمين- جراء تخلفنا عن ركب الحضارة ؛ وبطريقة تُلهمنا لترك بصمة ؛ فالجينات العربية أصيلة وخصبة بالعطاء لو قدّر لقيادتها من يهتم ويستحق ؛ والعالم الذي يستقبل صوراً مشوهة عن الإسلام والمسملين بحاجة لمن يقوم بعملية (ليزك) لتصحيح انحراف نظراته لنا ؛ ولعلّ هذه الصناعة - التي لا تحظى بالدعم الكافي- تفي بجزء جيد من الأمر !
انتقاء شخصية بلال كعبدٍ أسود في مجتمعٍ أبيض ؛ يحاكي مشكلة غربيّة بامتياز ؛ وكذلك انتقاء عبدٍ فقدَ حريته نتيجة حربٍ قامت على أرضه أو اختطافٍ من تجار البشر أولحملة لجوء جراء حرب أهلية تحاكي مشكلة دولية بل عربية بامتياز (حالياً) ؛ لا يهمّنا سبب عبوديته بالشكل الذي يهمّنا أننا نعاني المشكلة ذاتها لغاية الآن ؛ رغم إعلان حقوق الإنسان الذي يطبق في أوقات وأماكن وعلى فئات محددة ؛ لذا تغدو العبودية حلماً لمن يحتضن أطفاله وسط البحر هارباً من نار الحرب ؛ ومع ذاك يغرق وأبنائه ويُحرم فرصة أن يكون يحيا ولو (عبداً) في ظل منظمات حقوق الإنسان وجميع الهيئات الدولية !!
تحمل شخصية بلال خصوصية أن بطل القصة لم يكن ابناً للملك ؛ او ليثاً للأسد ؛ أو زعيماً مناهضاً لحكم ظالم ؛ أو حصل على قوة خارقة ؛ كما هو المعهود بالأفلام العالمية ؛ بل مجرد غلام ضعيف لم يقدم سوى (قراره بالتغيير ، وثباته على قراره تحت أنياب السياط ) فشكل أول حالة عصيان فرديّ ألهمت طبقة لم تفكر يوماً بإنسانيتها وقدرتها على الخيار .
جاءت احداث الفيلم كقصة مستوحاة لا (رواية تاريخية / دينية) للمجريات ؛ ولذا بنيت حبكة القصة على فكرة الحرية ؛ وحتمية التغيير الذي يرافقه اصرارٌ وثبات وعدالة في القضية ؛ فولدت فكرة إنسانية العبيد ؛ وأنهم يملكون (الخيار) وان مستقبلهم يبنى على (قرار) كما بني ماضيهم على (قرار) ؛ بشكل يحاكي (فيلم Matrix ) الذي ركز على هذه القيم .
الحياة الدينية لمدينة الملك الظالم من (عبادة اصنام وجني تبرعات وبيع تماثيل ...) سيقت في حبكة الفيلم كوسيلة للتكسب والزعامة ؛ فقد قال حاكم المدينة أمية ( انا لا اؤمن بالآلهة والأصنام بل أؤمن بإله واحد هو المال ) وهذا يعزز اسقاط مجريات الفيلم على الواقع ؛ فعبادة المال هي ديانة العصر الحالية .
التغيير يكون بالشجاعة والثبات والتصميم لا بالاغتيال والحرق والتفجير ؛ فطوال الفيلم لم تقم الجماعة الجديدة بعمل ارهابي ؛ بل كانت الدولة الظالمة هي التي ترهب الجميع ؛ ولعل صمود البطل تحت التعذيب كان اللحظة التي رجّحت كفة ميزان فئة التغيير ؛ كتلك اللحظة التي عاشها (وليام والاس) نهاية الفيلم والذي صرخ بالحرية ؛ مع التأكيد أن بلال عانى قيد العبودية ولم ينعم بالزعامة أو حتى الحرية التي نالها متأخراً كما حظي بها والاس .
كانت الحجارة الحمراء تتناقص في ظل تزايد الحجارة الخضراء على رقعة خريطة الملك الظالم ؛ فاستشعر الخطر وحرك جيشه للقضاء على الفكرة قبل ان تنضج ؛ وفي اثناء ذلك تعلم الشاب بلال على يد معلمه حمزة ؛ كي يكون حراً كذاك الصقر الذي كسر مشهد الاحداث لأكثر من مرة ، أهمها حينما انقضى على ثعبان كان يتجه صوب المدينة الجديدة فالتقطه كما التقط بلال سيفه وأنهى شر الملك الظالم .

حمزة فقط ؛ جاء في شخصية الفارس الشجاع ؛ والذي يحاكى الشخصيات الاسطورية لفرسان الدائرة المستديرة أو الساموراي أو فرسان الكونفو الذين حضروا بمئات الأعمال الفنية ؛ حتى ترسّخت لدينا حكمة المقاتل الصيني وشجاعته دون ان نقرأ أو نبذل جهدل بل لمجرد جلوسنا نستمتع بأفلام عالمية وبيدنا عبوة (بوشار) ؛ نعم جاءت شخصية حمزة لتحجز دورها في وعي المتلقي ؛ وليتها جاءت مبكراً ؛ لكنها جاءت وأخذت قالباً يستفز المتلقى للاعجاب بها والتأثر بفروسيتها وعلوّ نفسها ؛ ولم يغب عن المشهد شخص الحكيم كعادة الأفلام العالمية فكان ( ابو بكر الصديق ) حكيم القصة ، والذي زرع الفكرة في ذهن بلال لتنمو وتكبر ويستقيظ على نفسه وقد اتخذ قراره بالتغيير ؛ تلك الفكرة التي ناقشها فيلم Inception للممثل ليوناردو ديكابريو حيث كان يزرع الفكرة في العقل الباطن للشخصية المستهدفة . 
الأنثى كانت حاضرة ؛ فالأم (ملهمة ) و الأخت (مساندة وداعمة ) وحضر الحب كذلك في علاقة الام بابنها والأخت باخيها ؛ وغابت عن القصة مشهد البطل العاشق والعشيقة لأن المخرج مقتنعُ ان الفيلم يكفيه من فيه من غنى وثراء ولم تكن ضرورة للتكلف وابتذال شخصية العشيقة وتكلف بناء علاقة غرامية بين البطل وعشيقته كما يحدث في غالبية الأفلام العربية والعالمية . 
التقنية كانت عالية المستوى ؛ وحكيت التفاصيل بيد عجوز صبورة ؛ فخرجت كل لقطة كلوحة وتفهمّت تبرير الوقت الذي استغرقه اعداد الفيلم .
البناء الذي احاط بالحبكة وتفاصيل الحكايا كان مبدعاً ؛ فحديث الأم مع ابنها عن الحلم ؛ ومنافسة العبد بلال لصفوان نجل الحاكم الظالم ؛ وعلاقة بلال بحصان سيده ، وأخته غفيرة ملهمته طوال القصة كلها تفاصيل لم تكن ضمن خيالنا المسبق عن قصة بلال العبد الحبشي التقليدية ، والتفاصيل لا يسعها الا تشاهد العمل مرة أخرى . 
حضرت شخصية الكاهن مرافقة لشخصية الملك الظالم ؛ حركتها السريعة مع صوتها الهامس كالأفعى للتحريض على القتل والظلم كفيل أن يدعك تتخيل انها شخصية الشيطان بصورة آدمية مزينة بالأقنعة والذهب والأظافر الحادة ؛ هذا الشخصية كانت حاضرة دائماً بأفلام العبودية والتغيير فيعرفها من تابع فيلم فيلم 10000 bc أو فيلم Apocalypto ، والتي تنتهي بانتهاء الملك الظالم ؛ وقد استوقفتني سواد بشرة تلك الشخصية فلم أبرر ذلك سوى أن الشيطان قد يعبد من يفوقه قدرة على الظلم والاضظهاد . 
استمرت القصة في صراعها الانساني ؛ وصراع الحق والباطل ؛ والحرية والعبودية ، والمساواة والتمييز ، لغاية المعركة التي حجزت وقتاً قياسياً بالفيلم ؛ فلم تنتهي المعركة الا بحضور جيش ناصع البياض (جنودا وأحصنة) اخترقوا جيوش الشر ورجحوا كفة الفوز لأصحاب بلال وحمزة ؛ في لقطة تحاكي دخول (اشباح القراصنة مع الملك أراغون) نهاية فيلم (ملك الخواتم) ، ولعلّني كنت آمل ألا يقحم المخرج المشاهد بهذه الجزئية التي أؤمن بها كمسلم ؛ لكن المخرج أصرّ منذ البدء على تقديم عمل انساني لا عمل ديني فكسر هذا المعيار لإنهاء المعركة . 
من زاوية أخرى ؛ الفنّ كان حاضرٌ في شخصية بلال ذات الصوت الشجيّ ؛ والذي كفلت له أن يعلو كعبة المسلمين ويتلو نداء الرحمن بالآذان في مشهد كسر تابو العبودية للأبد في وعي المجتمع المستجد على ثقافة التغيير ؛ فبلال كانت ايقونة وضمانة للاستمرارية في العدالة والمساواة تتعزز كل يوم خمس مرات بالأذان 
انتهى الفيلم بالتأكيد على فكرة (القرار والخيار) فصفوان نجل الملك الظالم يراجع حسابته ، ويتقبل التغيير ، فلكل جيلٍ خياره ، والانحياز نحو الحق خير من التمادي بالباطل ؛ انحاز صفوان لصف بلال أخيراً وأهداه أخته غفيرة التي اعتقدنا جميعا انها قتلت على يد صفوان نفسه .
ينتهي الفيلم ؛ ولا تتوقف لديك المشاعر المختلطة بضرورة التغيير ؛ ونزع القيود المعنوية حيث جاء الملك الظالم لبلال وهو مقيد وعرض عليه أن يفك قيوده فقال بلال ( سبق أن تخلصت منها ) لم يكن يقصد قيود الحديد ؛ بل قيد العبودية والخوف والذلّ ، ينتهي الفيلم وتحاصرك الأفكار عن تلك القيود التي يجب أن نتخلص منها الآن ! 
لستُ متخصصاً بعالم السينما ولكن هذه خواطر جالت بعقلي وقلبي وقد انتهيت من مشاهدة هذا العمل الأنيق ، ولعلك تخرج بخواطر أخرى فالعمل ثريّ والزوايا كثيرة ومتنوعة .. بقلم حسام عواد