المؤلف:
الإشراف التربوي
مقالات الأوائل

جردة بسيطة سريعة لمخرجات التعليم العام لدينا، تكفي لأن "يقف شعر الرأس" كما يقال! من ذلك، ما اعترفت به وزارة التربية والتعليم ذاتها، قبل فترة؛ بوجود نحو 100 ألف طالب وطالبة أميين في الصفوف الأساسية الثلاثة الأولى؛ فلا يجيدون القراءة والكتابة! أيضاً، وبعد السقوط المدوي لامتحان الثانوية العامة "التوجيهي"، وفشل التعليم العام في تأهيل طلبة قادرين على تجاوز هذا الامتحان، ظهرت مؤخراً قصة مغادرة آلاف الطلبة إلى دول أخرى، مثل تركيا والسودان، لشراء شهادات ثانوية عامة، ثم احتالوا على النظام ليدخلوا الجامعات. وقد تم ذلك بتواطؤ أهالي هؤلاء الطلبة، ممن استسهلوا المسألة واستمرؤوها، لاسيما أنهم يحصّلون شهادات لأبنائهم مقابل بضعة آلاف من الدنانير، ويريحون رأسهم من "التوجيهي" وصداعه الذي لا ينتهي. أما الأردني المقتدر ماليا، فلا يتردد لحظة في أن يتوجه بأبنائه نحو البرامج الدولية، من مثل "IG" و"IB"، ليقينه أن ما هو مقدم عبر نظام التعليم العام لا يكفي الأولاد شر الزمان، ولا يؤهلهم للمنافسة ويفتح لهم نوافذ الفرص وأبوابها. كلنا يدرك أن الطالب بعد 12 عاما من التعليم في المدارس الحكومية، لا يكاد يملك الحد الأدنى من الأدوات الضرورية للانتقال إلى مرحلة جديدة من حياته، الجامعية والعملية. ولنا جميعا أن نسأل أنفسنا عن كم تركت فينا الكتب المدرسية والجامعية، على مدار سنوات تحصيلنا الأكاديمي في المدارس الحكومية والجامعات، من أثر حقيقي على صعيد التأهيل، وكم حملنا معنا من معلومات، في ظل دراسات تقول إن 70 % من محتوى الكتب المدرسية تحديداً، لا يخرج عن إطار التلقين غير المفيد، إضافة إلى أن نسبة كبيرة من الطلبة يتخرجون غير متمكنين من اللغة الإنجليزية، بل وكأنهم لم يدرسوها قط! بالمحصلة، المشكلة عميقة وقديمة، بدليل مخرجاتها الكارثية الماثلة أمامنا. فلماذا يقف البعض في وجه تغيير المناهج وتعديل الكتب، ويلقي التهم الكثيرة بحق كل من يسعى إلى معالجة التشوهات؟ رد الفعل الحاصل من بعض أو كثيرين، غير موضوعي، بل ويمكن القول إنه خال من الضمير. فيه اجتزاء متعمد لئيم لخلق رأي عام ضد الإصلاح الذي بدأ. وأقول إنه خال من الضمير، لأنه رد فعل يُسقط من الحساب كل المخرجات المخزية للتعليم في بلدنا، ولا يبالي من يقفون وراءه لأمية الأطفال، ولا بالحاجة إلى تعلم "الإنجليزية" كونها لغة علم ومعرفة وتواصل. كما أن هروب الطلبة وذويهم لشراء الشهادات ليس قضية ذات أهمية بالنسبة لهم! رد الفعل والهجمة على إصلاح التعليم يلعبان على الغرائز، ويسيئان استخدام تديّن المجتمع؛ بزعم أن التغييرات لا تستهدف التطوير بل الدين في المناهج، عبر حذف سور وآيات من القرآن الكريم، وإضافة صور لنساء غير محجبات. لكن ذلك أبعد ما يكون عن الحقيقة، وليس الهدف منه سوى التشويش على القصة بأكملها، وتحريض الناس ضد التطوير. إذ ليس صحيحا أبداً حذف كل النصوص القرآنية من الكتب، والتي ما تزال أيضاً تضم صورا كثيرة لنساء محجبات وغير محجبات. في دولة دينها الإسلام، يبقى واجبا تعليم الدين وأخلاقياته للجيل الجديد، لزرع الفضيلة في نفوس أبنائنا. لكن علينا أيضا تسليحهم بعلم ينفع، لنبني أجيالا قادرة على النهوض بالأردن. فالتعليم والقضاء إن صلحا، صلح البلد. وبغير ذلك نخسر جميعا. والتغييرات والتعديلات التي حصلت حتى الآن غير كافية. فمسيرة إصلاح التعليم طويلة، لأنه إصلاح تأخر كثيراً، بحيث صارت التشوهات عميقة. ويحتاج الانتقال بالتعليم إلى مرحلة جديدة معاصرة، الكثير من العمل. وإن كنا نسعى فعلا إلى تحسين حياة الناس على كل صعيد، فعلى الجميع أن يكون جزءا من حالة إصلاح التعليم الذي يمثل الأساس. ما نحتاجه هو مناهج تعلم التفكير النقدي والبحث العلمي والتمحيص؛ تقدّر العلم والعمل والإنتاج والابتكار. فالقصة ليست استهداف الدين أبداً، بل استبدال الكتب خالية الدسم الفكري بأخرى مفيدة. وتسطيح القضية، من قبل الحكومة أو المناوئين للإصلاح، عبر اختصارها بتفاصيل شكلية لها علاقة بصور، لا يرتقي بداهة بنظام التعليم.