لاللا


رقمنة التعليم ، بين الاحتياج الحقيقي ، وأحلام اليقظة


        عند الحديث عن تطوير التعليم ، يفرض التحول الرقمي في التعليم نفسه كواحد من أهم المآلات التي سيذهب التعليم باتجاهها عاجلا أم آجلا ، بل لم يعد هناك مجال لأن يكون هذا الخيار آجلا ، وعندما تفاجأ العالم بانتشار كوفيد 19 ، اختلفت الدول في مستوى استمرارية الخدمة التعليمية فيها حسب قوتها التكنولوجية ، وإيمان المسؤولين في تلك الدول بأهمية التحول الرقمي في المنظومة التعليمية .

هنا في هذا المقال أحاول نقاش فكرة رقمنة التعليم ما بين أن تكون واحدة من عمليات التحول المجتمعي ، وبين أن تكون هذه الرقمنة عبارة عن حاجة مجتمعية حقيقية ناتجة عن الاحتياج اليومي للمجتمعات، أكثر من كونها حاجة لمجتمع تعرَّض لحالة وبائية طارئة فرضت نفسها على المجتمع بكافة قطاعاته .

لا شك أن الاستخدام التقني في عملية التعليم يشكل قفزات في عملية التلقي المعلوماتي للطالب ، فهو أمام عالم مفتوح من التجارب والمعلومات ومصادر المعلومات ، ويمتلك أدوات حقيقية وفعالة في الدخول لهذا العالم والتفاعل معه والاستفادة فيه بل وفي التأثير في هذا العالم أيضا ، والتقنية لا يقصد بها فقط تلك الأدوات التي تمكن الطالب والمعلم من الدخول للمواقع العالمية والاستفادة منها ، بل هي أشمل من هذا كله ، لتكون التقنية هي الأدوات التي يستخدمها المعلم والطالب لِتُمَكِّنُهُم من إيجاد عملية تعلّم تفاعلية حقيقية ، تقوم على الأدوار المتبادلة ما بين المعلم والمتعلم ، حسب ظروف البيئة التعليمية التي يوجدون بها.

فلا يمكن أن يتساوى " تعريف التقنية " بين دولة في منطقة نائية في قارة فقيرة ، وبين تعريف التقنية في دولة تظهر عليها مؤشرات التطور والتقانة الرقمية .

ويبرز هنا سؤال أقف عنده للتأمل ، وأرى أن من واجب صناع القرار الوقوف عنده أيضا .

هل رقمنة التعليم ، ناتج لرقمنة المجتمع ككل ؟ أم هي البداية أو واحدة من الأمور التي يجب البدء بها لرقمنة المجتمع ككل ؟

المتأمل لواقع المجتمع العربي عموما ، والأردني خصوصا يرى أن الارتباط المجتمعي بفكرة المدرسة يعتبر ارتباطا كبيرا ومؤثرا ، ومن مؤشرات ذلك أننا نرى أن الناس تميل لأن تكون منطقة سكنها بجانب أو قريبة من "مدارس الأولاد "  وكذلكهم يبحثون عن مدرسة " في التعليم الخاص " التي من ضمن جولاتها الصباحية منطقة سكن الأبناء .

حتى المهن اليومية ، للأب والأم " تحديدا " يراعى فيها أن تكون عودة ولي الأمر للمنزل قريبة أو قبل عودة الأولاد من المدرسة ، وذلك للإشراف على ما يقومون به من أعمال أكاديمية منزلية .

وعند التدقيق في أي خطة طويلة الأمد يضعها الأبوان لعائلتهما الصغيرة، نرى أن هذه الخطة متأثرة كثيرا بفكرة الاثني عشر عاما الدراسية التي هي العمر الأكاديمي الدراسي للأبناء، وما يليها من سنوات دراسة جامعية

يضاف إلى ذلك وخلال فترة الحظر التي مرت على الأردن ، عَبَّرَتْ كثير من الأسر عن الثقل النفسي الذي شعروا به نتيجة أنهم عايشوا أبناءهم لفترات طويلة خلال اليوم على غير المألوف، حيث المدرسة كانت تأخذ حيزا كبيرا من يوميات الأبناء يصل تقريبا الى 1200 ساعة سنوية .

لهذا وغيره نرى أن المجتمع عموما مرتبط بطريقة ما في الحياة الأكاديمية للطالب

وهنا يأتي التحول الرقمي في التعليم ، ليكون – إن تم القيام به وحده – ليكون عاملا مُرْبِكا للحياة الاجتماعية للأسرة الأردنية ككل ، لأن التحول الرقمي بمفهومه المختزل جدا " التعليم عن بعد " سيؤدي إلى إرباكٍ للأسرة على صعيد أوقات الدوام اليومية للأب وللأم ، وقد يؤدي إلى نشوب خلافات حول ثقة الأب والأم في مدى عملية التلقِّي لدى أبنائهم بشكل موثوق به ، إضافة إلى أن عملية التعليم عن بعد بدأت توفر للآباء والأمهات إمكانية " تقييم مختلف " لأداء المعلمين والمدرسة وهذا يفتح أبواب جديدة ومساحات خلاف جديدة بين الآباء والمنظومة التعليمية كلها .

لإجراء تحولٍ رقميٍ حقيقيٍ وناجح، أرى أن صناع القرار عليهم أن يكونوا أكثر جرأة في التطرق إلى محورين كان محرم النقاش بهما – لا أدري ما المانع صدقا –

هل فعلا نحتاج إلى 12 سنة دراسية أكاديمية ؟ ألا يمكن لسنوات الدراسة أن تكون أقل ليبدأ الطالب الجامعي حياته مبكرا ؟ لعل هذا يحتاج إلى إعادة النظر بمفاهيم الطفولة وتحديد المرحلة العمرية لها، لهذا قلت أن الموضوع يتطلب جرأة كبيرة في البحث، لأن المسألة برأيي لا تقف عند عدد سنوات الدراسة فقط .

واحد من الأمور المتوقعة لعملية الرقمنة يكمن في اكتشاب الطلبة لمفاهيم ومهارات عقلية وسلوكية أكبر ، فما الذي يمنع أن يتم إعادة النظر في العمر الأكاديمي كله ؟

قبل خمسين عاما كان منطقيا أن يحتاج الطالب لاثني عشر عاما دراسية ، ليكون مستعدا لحياة جامعية أو مهنية ، لأن مصدر اكتساب المعلومة أو المهارة منحصر بيد فرد ( المعلم ) مع صعوبة شديدة في الحصول على مصادر للمعلومات ، ولكن هل يعقل أن الطالب الآن في 2020  يحتاج لذات المدة ( 12 عام ) في ظل هذه الأدوات التي تمكنه للدخول للعالم كله ، وفي ظل آلاف مصادر المعلومات ، لدرجة أن دور المعلم الفردي كان أن يختفي ؟!

إن لم يكن واحداَ من مكتسبات الرقمنة هو تغيير النظرة الشمولية في العمر الأكاديمي فمتى ستكون ؟

المحور الثاني

القطاعات المهنية كلها ورقمنتها .

كم هي القطاعات التي يمكن البدء بتحويلها رقميا ؟ سواء في المؤسسات الحكومية التي تعمد على تقديم المعاملات واستخراجها أو المؤسسات المالية أو مؤسسات خدمات العملاء .

لدى بعض الدول العربية أو الأجنبية تجارب ناجحة يمكن الاستفادة منها في هذا المجال .

إن التحول المجتمعي باتجاه الرقمنة لابد وأن يبدأ بعيدا عن التعليم في البداية، لتكون الرقمنة التعليمية بمفهومها الشامل عبارة عن احتياج مجتمعي بعد أن تَشَكَّلت لدى المجتمع ثقافة الرقمنة وتجربتها في قطاعات يومية تهم الناس وتيسر أعمالهم .

هذا سيوفر للناس نظرة تعاونية مع مفهوم التعليم التقني سواء عن بعد أو قرب ، وسيجعل العملية التعليمية جزء " ميسر " لحياة الناس وليس تحديا يشكو منه عموم أولياء الأمور .

وفوق هذا كله سيكون التعليم الرقمي "منظومة مُنْصِفَة " تشمل جميع المناطق سواء كانت حضرية أو ريفية أو غيرها ، ولا تقتصر على منطقة دون غيرها أو قطاع خاص دون الحكومي .

إن اختزال التعليم الرقمي في مفهوم عرض المادة من خلال شاشة، لهو تشويه لفكرة الرقمنة التعليمية ككل ، وبهذه الطريقة يتم منح الناس دليل تطبيقيا على أن الرقمنة هي زيادة في تعقيد منظومة التعليم ، ومنظومة الحياة اليومية للأسرة ككل ، في حين أن هذه الأدوات يمكن اغتنامها في تيسير وتطوير وتعميق عملية التعلم والتعليم ككل .

إن التعليم عن بعد كما هو معروض حاليا، بعيدا كل البعد عن مفهوم الرقمنة ، فهو عملية استبدال لما يراه الطالب فقط ، حيث أنه كان يرى المعلم أمامه ، وحاليا يراه من خلف الشاشة ، لا أكثر.

وادعاء البطولات الوهمية بأننا حاليا على أبواب مرحلة جديدة لأن التعليم أصبح من وراء " شاشة ما " ما هو إلا نظرة موهومة للذات تحتاج لإيقاظ مدعيها من أحلام اليقظة التي يعيش بها.

 

أحدث الأخبار