.

آلاء مظهر– أرجع خبراء تربويون ومختصون ارتفاع نسبة التسرب المدرسي لدى الإناث مقارنة بالذكور، والبالغة 4 لكل ألف طالبة، إلى عدة عوامل منها الجوانب الاقتصادية والأعراف والممارسات المجتمعية والثقافية التي تحول دون التحاقهن بالتعليم، فضلا عن عوامل أخرى تتمثل بالفقر والتنمر والزواج المبكر وتدني التحصيل الدراسي والتفكك الأسري وغيرها. وبينوا في أحاديث منفصلة لـ”الغد”، أن التسرب المدرسي يعد هدرا تربويا واقتصاديا واجتماعيا يطاول تأثيره السلبي مناحي الحياة كافة، إذ يزيد من حجم الأمية والبطالة ويضعف البنية الاقتصادية والإنتاجية للمجتمع والفرد، ويزيد من حجم المشكلات الاجتماعية. وشددوا على أهمية إعادة النظر في النهج العام المتبع والبدء بتطوير شامل لنظام التعليم في الأردن، من خلال البدء ببناء ومراجعة الأطر العامة ومواد المناهج الدراسية لتلبية احتياجات الطلبة، مطالبين في الوقت ذاته بتعزيز محتوى التعليم المدرسي للجنسين وبيان أهمية مشاركتهما بالتنمية وتوفير بيئات تعليمية وبنية تحتية آمنة تمكن من حفز الطلبة للتعلم وتمنعهم من التسرب. وكان الناطق الإعلامي لوزارة التربية والتعليم أحمد المساعفة كشف في تصريحات سابقة لـ”الغد”، أن نسبة التسرب المدرسي في الأردن في المجمل العام “منخفضة مقارنة بدول كثيرة، وتبلغ 3 لكل ألف طالب من الذكور، و4 لكل ألف طالبة من الإناث”. وأضاف المساعفة أن نسب التسرب المدرسي في المملكة “منخفضة جدا ولا يمكن تسميتها بالظاهرة إطلاقا”، لافتا إلى أن الفرق بين نسب الذكور والإناث ليست ذات دلالة احصائية، وبالتالي لا تشكل مصدر قلق كبير، كون نسب الالتحاق بالتعليم النظامي مرتفعة جدا. وقال إن التربويين يعرفون التسرب المدرسي بأنه “انقطاع الطالب أو الطالبة عن الدراسة عاما دراسيا فأكثر”، ومنهم من يعرفه بأنه “انقطاع الطلبة عن المدرسة دون إكمال المرحلة الأساسية، التي تعتبر إلزامية”. وفي هذا الصدد، قال مدير ادارة التخطيط والبحث التربوي في وزارة التربية والتعليم سابقا الدكتور محمد ابو غزلة إن التعليم الجيد والمنصف وللجميع بغض النظر عن الجنس والعرق واللون والمكان، أصبح الهدف الأسمى لكل خطط التنمية الشاملة والمستدامة للدول والمنظمات والمؤسسات الدولية والاقليمية والمحلية. واضاف ابو غزلة أن الأنظمة التعليمية في كافة الدول تعمل الآن على إعداد الخطط أو تعمل على مواءمة خططها مع خطة التنمية المستدامة 2030، والتي ركز الهدف الرابع فيها على التعليم الجيد والمنصف للجميع، وركزت مؤشراته على نسب الالتحاق بالتعليم من الجنسين في المراحل كافة، ونسب اكمال المراحل التعليمية، ونسب التسرب وغيرها كعناصر أساسية من عناصرة كفاءة النظام التعليمي الداخلي في أي دولة. وبين ان هناك فئة من الطلبة من الجنسين يواجهون ظروفا مختلفة تتعلق بالجوانب الاقتصادية والأعراف والممارسات المجتمعية والثقافية، تحول دون التحاقهم بالتعليم أو تدفع بهم للتسرب من المدارس أو عدم اتاحة الفرصة لهم دون إكمال تعليمهم، وخاصة الطلبة المهمشين الذين يعانون من العنف أو الفقر أو التنمر، او حتى الفقر التعليمي أو تدني التحصيل الدراسي لديهم، او ممن يجبرون على الزواج المبكر. وأضاف: “سواء كانت هذه الأسباب او غيرها التي تتعلق بالمدرسة والمتعلم نفسه من حيث ضعف تحصيله وانخفاض دافعيته، أو صعوبة التعلم لديه، أو تعامل المعلم معه أو ما يتعلق بموضوعات التعلم المقدمة له من المعلم وطريقة إدارة المعلم لها، او حتى غياب البرامج الإرشادية من المدرسة والتي قد تساعده في حل مشكلاته، أو عدم توافر مدارس قريبة منه”. وتابع: “أحيانا يتعرض المتسرب للعقاب مع شعوره بالتميز، ما يشكل لديه نفورا من المدرسة، او نتيجة رغبة المتعلم نفسه بالالتحاق بسوق العمل، بسبب سوء الوضع الاقتصادي للأسرة، أو العناية بأفراد الأسرة والمساعدة في أعمال المنزل، وجميعها عوامل داخلية تتعلق بالنظام التعليمي نفسه وعناصره وعوامل خارجية تتعلق بالأسرة والأوضاع الاقتصادية والاجتماعية وغيرها، جميعها تدفع بالطلبة للتسرب”. واشار الى ان غالبية الدول ذات الدخل المتدني تكون الإناث فيها اكثر تعرضا من الذكور لهذه الحالات، ويظهر ذلك من خلال حرمانهن من إكمال مراحل التعليم، وعدم إعطائهن الفرصة للحصول على المهارات والقدرات التي تمكنهن من المنافسة في سوق العمل، ناهيك عن مظاهر الضعف الذي يظهر في امتلاكهن للمهارات الاجتماعية والحياتية الضرورية للتعامل مع أسرهن والآخرين، ما يؤثر في قدرتهن على اتخاذ القرارات بشأن حياتهن ودورهن المستقبلي الذي هو أساسي في التنمية على كافة المستويات. وتابع أن كثيرا من الدول التي تعاني من تردي الأوضاع الاقتصادية يعود السبب إلى عدم اتاحة التعليم للإناث والذي يؤثر على الالتحاق بسوق العمل وبالتالي غياب المساهمة في التنمية، وهذا ما تؤكده جميع الدراسات الدولية التي تناولت أثر الوصول للتعليم للجنسين وتوفير تعلم جيد ومنصف لهم، وفي جميع المراحل، ودوره في التنمية، ولعل نسبة التشغيل للنساء لدينا التي لا تتعدى أكثر من 15 % أكبر دليل على ذلك. وفي ما يتعلق بتصريحات “التربية” حول نسب التسرب، أكد ابو غزلة أن “التسرب من التعليم يعتبر مشكلة عالمية، ولا يكاد يخلو أي نظام تربوي منها، ولا يستطيع أي نظام التخلص منها نهائيا، إلا أنه يستطيع الحد منها، لكن من المهم أن تكون هذه التصريحات واضحة ومحددة؛ لأن طريقة احتساب هذه المؤشرات تعتمد على قراءة الأرقام وتحليلها بدقة وفق المتغيرات المتعلقة بمعادلة الاحتساب ومفهوم التسرب الذي يختلف من دولة إلى اخرى”. وأضاف: “كما ينبغي أخذ الفترة الزمنية بالاعتبار، والتي تحسب فيها نسب التسرب، خاصة أن آثار الجائحة ما زالت ماثلة، والمعروف للجميع أن جائحة كوفيد- 19 قد فرضت على العالم أجمع ظروفا غير طبيعية، حيث شهدت جميع الأنظمة التعليمية تسربا مدرسيا عاليا في المراحل المختلفة، وانقطاعات عن التعليم، وزادت من نسب فقر التعليم ومن الفاقد التعليمي”. وشدد أبو غزلة على أهمية الاستمرار في اعداد الخطط والبرامج للحد من تسرب الجنسين، والعمل على زيادة نسبة المرشدين في المدارس التي لا تتجاوز (20 %) فقط، وتقديم التدريب اللازم لهم وتفعيل الإجراءات الإدارية والقانونية في متابعة المتسربين. كما دعا إلى توجيه برامج توعية وتثقيف للأسر، خاصة في المناطق التي تشهد نسب تسرب مرتفعة، وزيادة الإجراءات المتعلقة بالإطار الاجتماعي والاقتصادي والتعليمي من حيث تحسين نوعية التعليم المقدم وتوفير البيئة الآمنة والمحفزة، والإعداد والتدريب الجيدان للمعلمين، إضافة إلى إجرات تعزيز الثقافة لدى المتسربين؛ لأن ظاهرة التسرب تزداد نسبتها مع ضعف قدرة عناصر النظام التعليمي على تلبية احتياجات الطلبة. وبين أن ذلك يعد من الأسباب التي تدفع الطلبة إلى التسرب وترك الدراسة؛ لأن ظاهرة التسرب المدرسي للجنسين تعد من أخطر القوى المدمرة للنظام التعليمي وأهدافه والمجتمع وتقدمه. وأوضح أن التسرب المدرسي يعد هدرا اقتصاديا واجتماعيا وتربويا هائلا، وتأثيره سلبي على جميع نواحي المجتمع وبنائه، فهو يزيد من حجم الأمية والبطالة، ويضعف البنية الاقتصادية الإنتاجية للمجتمع والفرد، ويزيد من حجم المشكلات الاجتماعية من طلاق وغيره، لذا لا بد من اعادة النظر في النهج العام المتبع، والبدء بتطوير شامل لنظام التعليم العام والعالي في الأردن، وبمشاركة المعنيين كافة، عبر البدء ببناء ومراجعة الأطر العامة ومواد المناهج الدراسية لتلبية احتياجات الطلبة، وتشمل التفكير النقدي ومهارات حل المشكلات. ودعا ابو عزلة إلى تعزيز محتوى التعليم المدرسي للجنسين، وبيان اهمية مشاركتهما بالتنمية، والبدء بالتطوير المهني، من خلال العمل لإعداد وتدريب القيادات التعليمية على استراتيجيات واساليب التدريس، والتعامل مع الطلبة، والتقويم والاختبار والتقييم لجميع جوانب شخصية الطالب وأدائه، إضافة الى توفير بيئات تعليمية وبنية تحتية آمنة تمكن من حفز الطلبة على التعلم، وتمنعهم من التسرب، وبناء شبكات وفتح وقنوات اتصالية متعددة مع المجتمع المحلي. وشاطره الرأي، اختصاصي علم النفس، والتربوي الدكتور موسى المطارنة، الذي اعتبر أن أسباب ارتفاع نسبة تسرب الإناث من التعليم عائد لعدة أسباب، منها الثقافة المجتمعية التي تعتبر دراسة الإناث غير مجدية وليست ذات أهمية، وتفضيل دراسة الذكور على الإناث، إضافة إلى ظروف اقتصادية تدفع بعض الأسر إلى عدم تدريس الإناث، والاكتفاء بالذكور، إلى جانب عوامل اجتماعية كالتفكك الأسري، وخاصة القائم على النزاعات، حيث تصبح الإناث غير قادرات على الالتحاق بالمدارس أحيانا. وأكد المطارنة أن “النظرة المجتمعية لدينا تركز على الذكور أكثر من الإناث، وهي عنصر رئيسي في هذا الأمر، بالإضافة إلى الزواج المبكر وغير ذلك”. وشدد على أهمية إجراء دراسة خاصة لمعرفة الأسباب الكامنة التي تدفع الإناث للتسرب المدرسي، والتي تندرج تحت أسباب اقتصادية واجتماعية وثقافية. ولفت إلى أن “الإناث في مجتمعنا لا زلن يعانين من التفرقة بينهن وبين الذكور”، منوها بضرورة وجود إستراتيجيات توعوية قادرة على حماية المرأة وحقها بالتعليم باعتباره حقا كفله الدستور والاتفافيات الدولية. وأكد ضرورة تفعيل القوانين في حال حرمان الإناث من التعليم، ومعاقبة ولي الأمر على عدم توفيره هذا الحق، داعيا الى أهمية إيجاد حملات توعوية تحث على تعليم الفتاة باعتباره أمانا لها في المستقبل. بدوره، قال أستاذ علم النفس والإرشاد النفسي المشارك في جامعة فيلادلفيا الدكتور عدنان الطوباسي، إن “التسرب المدرسي يعد مشكلة مقلقة جدا لأي نظام تربوي مهما بلغت نسبته، كما يعد إشكالية كبيرة، ولعل من أبرز العوامل التي ساهمت في ازديادها عدم الاهتمام الراسخ من قبل أولياء الأمور بمتابعة أبنائهم، وغياب البيئة الجاذبة في بعض المدارس، بالاضافة الى العوامل الاقتصادية”. وبين الطوباسي أن “اجتثات هذه المشكلة يتطلب تضافر الجهود بين جميع الجهات المعنية بالإضافة إلى توفير بيئة تعليمية جاذبة للطلبة، ومراعاة الفروقات الفردية بينهم، وذلك من خلال العمل على توفير برامج علاجية مناسبة للطلبة ذوي التحصيل العلمي الضعيف”. واشار إلى ان التسرب المدرسي قد يقف عائقا أمام التنمية المستدامة التي نطمح لها، ولذلك يجب أن تتخذ تدابير علاجية ووقائية للتعامل مع هذه الإشكالية، كون الإنتاجية والتنمية الاجتماعية والاقتصادية تحتاج إلى تعليم نوعي، فالتعليم هو الأداء الرئيسية لتنمية الموارد البشرية وبناء القوى العاملة الماهرة التي نرغب بها.