a

يتميز الأردن بامتلاكه لكافة المؤهلات والإمكانات الأكاديمية لتمكين المرأة من الصعود والنهوض بقطاع التكنولوجيا، وبالإضافة إلى جودة التعليم العالية في المملكة، فإن أعدادا كبيرة من النساء يرتدن الجامعات للالتحاق بتخصّصات العلوم والتكنولوجيا والهندسة والرياضيات (STEM) للظفر مستقبلا بوظائف في تلك التخصصات. كما أن الأردن يتميز بنمو ملحوظ في مجال صناعة التكنولوجيا. إذا، أين ذهبت كل المبرمجات، ومهندسات الشبكة، وخبيرات الدعم الفني؟

 

سعى معد التقرير إلى التعرف على الأسباب والعوائق الخفية التي تصعب على النساء العثور على الوظائف في قطاعات التكنولوجيا التي ينظر إليها باعتبارها من أكثر القطاعات تقدمية واستشرافا بالمستقبل.

 

ويحلل هذا التقرير بيانات تتعلق بالتعليم وقطاع التكنولوجيا والتوظيف وغيره من الموضوعات، تم جمعها من مصادر حكومية تشمل وزارة التعليم العالي، ودائرة الإحصاءات العامة، فضلا عن وزارة الاقتصاد الرقمي والريادة.

 

أما مصادر البيانات غير الحكومية فتشمل جمعية تكنولوجيا المعلومات والاتصالات- الأردن (INT@J)، والمنتدى الاقتصادي العالمي، ومنظمة العمل الدولية (ILO). ووفقاً لهذه المصادر، فإن القوى الاقتصادية وحدها ليست كافية لتفسير الأسباب الحقيقية وراء استبعاد النساء من سوق العمل التكنولوجي وغيرها من مجالات العمل، إلا أن البيانات التي تم جمعها يمكن أن تقدم صورة أوضح عن المجالات القليلة التي حققت فيها النساء تقدما.

 

تفوق بالعلوم والتكنولوجيا والهندسة والرياضيات

 

يتميز الأردن بجودة التعليم العالي فيه، ويبدو ذلك جليا بتفوق النساء الأردنيات على نظيراتهن في دول الشرق الأوسط وشمال إفريقيا والعديد من الدول المتقدمة. ففي العام 2019، احتلت جامعة العلوم والتكنولوجيا الأردنية الـترتيب 91 على قائمة صحيفة التايمز للتعليم العالي لأفضل الجامعات الناشئة، وهو ما يعد تقدما مذهلا عن التصنيف السابق لهذه الجامعة مقارنة بالترتيب 151 العام 2018، وكذلك هو الحال بالنسبة للجامعة الأردنية، التي احتلت المرتبة التاسعة على على قائمة التصنيف الجامعي في المنطقة العربية..

 

واستنادا إلى تلك التصنيفات، يبدو مستقبل التعليم في الأردن مشرقا، وخصوصا بالنسبة للنساء الأردنيات. ففي العام 2016، كان عدد الطالبات يتجاوز النصف من إجمالي أعداد الطلاب المسجلين في مراحل درجة البكالوريوس، ووفقا لدائرة الإحصاءات العامة الأردنية، تمثل النساء ثلث أعضاء الهيئات التدريسية في المملكة.

 

تخصصات تجذب الأردنيات

 

وتمثل النساء المسجلات في تخصصات العلوم والتكنولوجيا نسبة تعادل 50 % من شريحة الطلاب الجامعيين المسجلين في تلك التَخَصُّصَات. كما أن ثلث النساء يفضلن الالتحاق بتخصصات العلوم والتكنولوجيا والهندسة والرياضيات.

 

تمارا نضال، طالبة في الجامعة الأردنية من محافظة الزرقاء، اختارت تخصص علم الحاسوب الذي رأت فيه الأنسب بالنسبة لها، تقول: إن تجربتها الجامعية ايجابية وأنها تتفوق أكاديميا على زملائها من الذكور.

 

وتتوقع تمارا الحصول على وظيفة مقبولة بعد التخرج، لكنها لا تعتمد فقط على معدلها لتحقيق ذلك: حيث أنها تبحث عن فرص تميزها عن باقي المرشحين والمرشحات. تقول تمارا: “(العثور على وظيفة) سيكون سهلا، بفضل الخبرات التي امتلكها والأعمال التطوعية التي شاركت بها داخل وخارج الجامعة.”

 

صناعة التكنولوجيا في الأردن: ازدهار ملحوظ

 

النمو الذي يشهده قطاع تكنولوجيا المعلومات في الأردن دفع بالكثير من الشبان والشابات للالتحاق بتخصصات العلوم والتكنولوجيا والهندسة والرياضيات، وذلك في طريق سعيهم للحصول على الوظائف المناسبة لتطلعاتهم المستقبلية.

 

ويأتي الأردن ثالثا بعد مصر والإمارات العربية المتحدة من حيث عدد الوظائف التي تتطلب مهارات عالية في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. كما يسعى الأردن لأن يكون منارة للتكنولوجيا في المنطقة.

 

وفي العام 2015، أطلقت وزارة تكنولوجيا الاتصالات والمعلومات (تسمى حاليا “وزارة الاقتصاد الرقمي والريادة”) مبادرة “خريطة الطريق إلى الامتياز”، REACH2025 initiative وهي عبارة عن نداء للتحرك وخطة تنموية لتنشيط وتعزيز مفهوم النهوض بالأردن الرقمي وقطاع تكنولوجيا الاتصالات والمعلومات فيه.

 

وحسب المبادرة: “عمل الأردن على تأسيس بيئة عمل خلاقة تتناسب مع متطلبات جذب كبرى الشركات العالمية والشهيرة المعنية بصناعة التكنولوجيا، فضلا عن صناديق دعم المشاريع الاستثمارية، وكبار المستثمرين الداعمين، والمؤسسات الحاضنة والمسرعة لدعم الأعمال والمشاريع التجارية. إلا أن كل ما سبق يتطلب العمل والتعاون الوثيق بين مختلف القطاعات التقنية، مثل قطاع تكنولوجيا الاتصالات والمعلومات، وشركات التكنولوجيا الناشئة، والجامعات، والفعاليات الاقتصادية الأساسية، والسياسيين وصناع القرار من أجل ضمان تحقيق الأردن لرؤية الاقتصاد الرقمي لعام 2025.

 

ووفقاً لمؤشر التنافسية العالمية الصادر عن المنتدى الاقتصادي العالمي، ينتمي الأردن إلى نسبة 40 % من البلدان الأكثر تصديرا وتأهيلا لأصحاب الكفاءات، ما يجعله بيئة جاذبة للمشاريع الاستثمارية وشركات التكنولوجيا العالمية.

 

وبحسب التقرير الصادر عن الحولية الإحصائية السنوية لجمعية تكنولوجيا المعلومات والاتصالات – الأردن (INT@J) ، تم خلق حوالي 1500 وظيفة في قطاع صناعة التكنولوجيا بين عامي 2014 و2016، كما أن قيمة الاستثمارات الأجنبية في قطاع التكنولوجيا في الأردن وصلت الى 14 مليون دولار أميركي في نفس الفترة.

 

النساء مستبعدات من ازدهار سوق العمل التكنولوجية في المملكة

 

وعلى الرغم من تمتع النساء بالمهارات التعليمية والكفاءات المطلوبة لسوق العمل، إلا أنهن لا يَحْظَيْنَ بالعديد من الفرص الوظيفية في قطاع التكنولوجيا؛ حيث بلغت نسبة الموظفات من العاملين في قطاع تكنولوجيا الاتصالات والمعلومات 30 % فقط. فالعديد من النساء اللاتي يتخرجن بدرجة أكاديمية في العلوم والتكنولوجيا والهندسة والرياضيات، لا يحصلن على وظيفة في تخصصهن. ويُعْزَى هذا إلى عدم قدرتهن على الحصول على وظيفةٍ أو لاختيارهن العمل لدى مجالات وظيفية أخرى.

 

وتحدث التقرير مع موظفتين تعملان لدى الجمعية الأردنية للمصدر المفتوح (JOSA)، وهي منظمة محلية معروفة لدى الأوساط المُهْتَمَّة بالتكنولوجيا في الأردن.

 

رايا شاربين، منسقة برامج تبلغ من العمر 25 عاما، قالت، إن مرحلة البحث عن وظيفة بالنسبة لها كانت “مرهقة ومحفوفة بالكثير من الصعوبات”، وأردفت قائلة ان “القليل من الشركات كانت تعاود الاتصال بي وقد اضطررت لمتابعة التواصل مع تلك الشركات على نحو يومي كي أحصل على رد على طلبات التوظيف التي تقدمت بها”.

 

تحب رايا وظيفتها لكنها أكدت أنها كانت تأمل في الحصول على دور وظيفي ذي طبيعة فنية أكثر مما توفره وظيفتها الحالية.

 

وحسب ما أفادت به دائرة الإحصاءات العامة الأردنية، فإن اثنتين فقط من أصل خمس خريجات جامعيات يحصلن على وظائف، وهذا يعني أن نسبة تفوق 50 % من الخريجات الجامعيات لم يتوظفن أو أنهن مستنكفات عن خوض غمار سوق العمل.

 

ولا تتوفر حاليا أي بيانات عن معدلات البطالة التي تعانيها خريجات التخصصات العلمية والتكنولوجية والهندسية والرياضية.

 

وصدر مؤخرا تقرير حديث عن منظمة العمل الدولية (ILO)، يلخص التحدي القائم: “النساء اليافعات في الأردن يتمتعن بمؤهلات تعليمية عالية، لكن أغلبهن لا يحصلن على وظائف بعد التخرج. أما بالنسبة للواتي يخضن غمار مهمة البحث عن الوظيفة لدى سوق العمل، فإِنهن يواجهن معدلات بطالة مهولة”.

 

عدم المساواة في الأجور يبعد النساء عن سوق العمل

 

يكشف حساب المعدل الإجمالي الوسطي في سوق العمل الأردنية أن معدلات الرواتب التي تحصل عليها النساء تعادل ثلثي الرواتب التي يحصل عليها أقرانهن من الرجال عند العمل في نفس الأدوار الوظيفية.

 

تيماء الحياري (23 عاما)، تعمل كخبيرة لتكنولوجيا الأمن الرقمي لدى الجمعية الأردنية للمصدر المفتوح (JOSA). تقول تيماء، إن “مرحلة البحث عن الوظيفة كانت شاقة للغاية”، وأنها اضطرت للقبول بالعمل براتب أقل مما كانت ترغب به بعدما علمت بأن راتبها كان أفضل من الرواتب التي حصلت عليها زميلاتها لدى منظمات أخرى أو لدى غيرها من شركات تكنولوجيا المعلومات.

 

رايا أيضا سعت للحصول على راتب أعلى، ولكنها أدركت فيما بعد بأن الراتب الذي تتقاضاه أفضل مما قد يوفره سوق تكنولوجيا المعلومات الأردنية. ولا تتوفر بيانات واضحة وصريحة عن عدم المساواة في الأجور بين الجنسين في الأردن.

 

وظائف النساء ضمن قطاع التكنولوجيا محدودة

 

من تحليل البيانات يلاحظ بأن النسبة القليلة من النساء اللواتي يعملن في قطاع تكنولوجيا المعلومات، عادةً ما يستفاد من خبراتهن في مجالات تقنية محدودة.

 

ووفقاً للحولية الإحصائية السنوية لجمعية تكنولوجيا المعلومات والاتصالات – الأردن (INT@J)، يظهر التوزيع حسب القطاعات للوظائف ضمن صناعة تكنولوجيا المعلومات والاتصالات في الأردن أن النساء يشغلن وظائف تطوير البرامج والعمليات التقنية بأعداد كبيرة، ويشكل هذان القطاعان 12 % فقط من إيرادات سوق تكنولوجيا الاتصالات والمعلومات. وعلى الرغم من ذلك، فإن نصف النساء العاملات في مجال التكنولوجيا يعملن في هذين القطاعين.

 

ويلاحظ أيضا شغل النساء لعدد محدود من الوظائف في قطاعات تكنولوجيا الاتصالات والمعلومات الأخرى، التي تشكل ما يقرب من نصف إيرادات مجال تكنولوجيا الاتصالات والمعلومات، مثل قطاعات التجهيزات والمعدات الأساسية المتعلقة بتكنولوجيا المعلومات، والمبيعات والتجارة بالجملة، وخدمات الأبحاث والاستشارات المرتبطة بتكنولوجيا الاتصالات والمعلومات.

 

أكثر من نصف النساء العاملات في تكنولوجيا المعلومات يعملن في تطوير البرمجيات والعمليات الفنية، على الرغم من أن هذين القطاعين يساهمان بحصة صغيرة من سوق تكنولوجيا المعلومات. أقل من 1 ٪ من النساء يعملن في المجال الذي يدر أعلى نسبة من الإيرادات في مجال تكنولوجيا المعلومات.

 

خطط الحكومة لتحقيق المساواة بين الجنسين

 

أحد الإجراءات الواجب اتخاذها ضمن “خريطة الطريق إلى الامتياز” هو استحداث نماذج وأدوات للنهوض بمشاركة المرأة في الاقتصاد الرقمي. ووفقا للأرقام المبنية على دراسات أجريت في هذا الخصوص، إذا تم توظيف الخريجات الجامعيات بنفس معدل توظيف أقرانهن من الخريجين الجامعيين، يمكن للأردن حينها أن يحقق نسبة 50 % من توظيف النساء لدى قطاع صناعة التكنولوجيا.

 

كما يمكن اتباع منهجية أخرى لتحفيز النساء على خوض غمار سوق العمل الأردنية، عن طريق إقرار قوانين تلزم الشركات بتطبيق المساواة في الأجور بين الجنسين. والأردن هو الدولة العربية الوحيدة التي دعيت للانضمام إلى التحالف الدولي للمساواة في الأجور(EPIC)، ومنذ ذلك الحين أصبح الأردن عضوا في هذا التحالف منذ نشأته في الجمعية العامة للأمم المتحدة في أيلول(سبتمبر) 2017. كما تم الاعتراف دوليا بالهيئة الأردنية للمساواة في الأجور العام 2018، وهي حاليا تعمل على مكافحة عدم المساواة في الأجور بين الجنسين،و بالرغم من ذلك، لم يتم حتى يومنا هذا سن أي قانون للمساواة فى الأجور بين الجنسين في الأردن.

 

منظمة العمل الدولية (ILO) توقعت نموا ملحوظا في إجمالي الناتج المحلي للأردن بنسبة 10 % في حال نجحت السلطات الأردنية في تقليص الفجوة في الأجور بين الجنسين بنسبة 25 % فقط.

 

وفي نهاية الأمر، التعليم وحده لم يكن كافيا لاستغلال إمكانات القوى العاملة النسائية للنهوض بمستقبل الأردن التكنولوجي وبالاقتصاد الأردني ككل.