الاء مظهر -  مع انتهاء الدورة الشتوية لامتحانات شهادة الدراسة الثانوية العامة "التوجيهي" للعام الحالي الاربعاء الماضي، تكون وزارة التربية والتعليم نجحت في ضبط قاعات الامتحان وتقليل المخالفات، وفق خبراء تربويين.
ويرى هؤلاء الخبراء ان جميع الاجراءات التي اتخذتها الوزارة على مدى ثلاثة أعوام الماضية "عملت على ضبط الامتحان، وحققت مبدأ العدالة بين الطلبة باعتباره المعيار الوحيد لولوج الجامعات، وهذا جهد كبير يجب ان يحسب لها".
لكنهم اعتبروا من جانب آخر، ان تلك الاجراءات المتمثلة باعتماد نماذج مختلفة للأسئلة، والاستعانة بقاعات مركزية، وإلغاء الأسئلة الموضوعية والعلامة الحدية، فضلا عن الاستعانة بكوادر من ديوان المحاسبة للاشراف على متابعة مجريات الامتحان، "تصب جميعها في إطار اجراءات عقد الامتحان وليس تطويره".
وفي موازاة ذلك، انقسمت آراء الخبراء بين مؤيد ومعارض لقرار الوزارة القاضي بعقد الامتحان مرة واحد سنويا ابتداء من العام الدراسي 2017/ 2018 تطبيقا لقرار مجلس التربية والتعليم.
وكان مصدر مطلع في الوزارة أكد لـ "الغد" سابقا، أن الوزارة ستشرع بتطبيق هذا القرار بعد الانتهاء من وضع الآليات الكفيلة بتنفيذه، بحيث ينطبق على الصف العاشر من مواليد العام 2000.
وكان نائب رئيس الوزراء، وزير التربية والتعليم محمد الذنيبات أكد مؤخرا، أن الهدف من عقد الامتحان مرة واحدة هو "التخفيف عن الطلبة وتحقيق مصلحتهم وعدم الاثقال على كاهلهم في الامتحان وتطوير الامتحان".
وأوضحت الوزارة أن القرار جاء وفق توصيات مؤتمر التطوير التربوي الذي عقد في آب (اغسطس) العام الماضي، وورد كذلك في الاطار العام لخطة إصلاح التعليم التي أقرها مجلس الوزراء العام 2013.
وبينت أن الطالب سيتقدم للامتحان، في حال تم اعتماده مرة واحدة، في 7 مواد يدخل 6 منها في المعدل العام، ويجرى الامتحان في دورة أساسية في حزيران (يونيو) وأخرى تكميلية في كانون الأول (ديسمبر) من كل عام، مشيرة إلى أنها ستعمل على إعادة النظر في المناهج والخطة الدراسية للمرحلة الثانوية.
وزير التربية والتعليم الأسبق وليد المعاني أيد قرار عقد امتحان "التوجيهي" مرة واحدة بالعام لأنه "لم يتغير شيء على طبيعة الامتحان تستدعي عقده عدة مرات في العام الواحد".
وبين المعاني لـ "الغد" أن "التوجيهي" كان يعقد مرة واحدة في العام لعقود من الزمان ثم جاء من يقترح عقده في دورتين، وجرى ذلك لأعوام مع نفس المشاكل والمعيقات، "لا بل خلقنا مشاكل جديدة نتجت عما إذا كان يحق للناجح في الدورة الشتوية أن يلتحق بالجامعة أم لا؟".
وعلاوة على ذلك، يضيف المعاني، "أدخلنا الطلبة والجامعات ووزارة التعليم العالي في دوامة شتوية، اضافة للدوامة الصيفية المعتادة، دون تحقيق نتيجة تذكر"، وبالنتيجة، فالعودة لما كان نافذا ومطبقا لا يضيرنا شيئا، لا بل يخفف الأعباء الفعلية والمالية والنفسية على الجميع، بحسب المعاني.
وأشار الى أن كلمة "تطوير امتحان التوجيهي" يستطيع المرء "أن يمطها أو يقلصها حسب الحاجة"، ولذلك لا يوجد أي مبرر على الإطلاق لوجود فروع للثانوية العامة، بل أذهب لحد المطالبة بإلغاء تسميات الفرع العلمي والأدبي "باعتبار الثانوية العامة امتحانا عاما لمعرفة محددة مطلوبة لهدف محدد وهو الالتحاق بالجامعة ولا شيء غير ذلك"، معتبرا قرار الوزارة مؤخرا القاضي "إلغاء فرع المعلوماتية خطوة في الاتجاه الصحيح، ولكنها لا تكفي".
واتفق المعاني مع القائلين بأن الوزارة لم تطور شيئا على آليات الامتحان وأن ما قامت به في الفترة الماضية كان اجراءات لضبطه، لافتا الى ان ماجرى في الفترة الماضية من ضبط للامتحان، أمر لا يجب التقليل من أهميته، بل على العكس يجب الإشادة به.
وبين ان تطوير آليات الامتحان، تعني كيفية تنفيذ امتحان تقييمي عام للتعليم العام في نهايته، كجعل آلية القبول الجامعي إما أن تكون قبولا موحدا أو قبولا مباشرا في كل جامعة.
وأكد أن الآليات المتعلقة بالثانوية العامة لم تتغير على الإطلاق، فما يزال الامتحان كتابيا ويعقد في قاعات وله مشرفون، وتوضع له أسئلة بنفس الطريقة، موضحا ان الذين يتحدثون عن تطوير الامتحان "يجب أن يتحدثوا عن الوسائل التي يمكن من خلالها تقييم المعرفة لدى الطالب، وليسموها ما شاؤوا بعد ذلك".
رأي المعاني، يتطابق الى حد كبير مع ما يراه وزير التربية والتعليم الأسبق فايز السعودي، الذي قال إن الآليات التي قامت بها الوزارة خلال ثلاثة أعوام الاخيرة، "جميعها تأتي في إطار تطوير اجراءات الامتحان من جانبين؛ الجانب الذاتي المتعلق بالامتحان ويتضمن عدة نقاط تتمثل بإجراءات بنية الامتحان، وإعداده، ومعاييره، وعدد مرات عقده.
اما الجانب الآخر، بحسب السعودي، فيطلق عليه "الموضوعي"، ويتعلق بالمناهج فضلا عما يتلقاه الطالب قبل وخلال المرحلة الثانوية.
واضاف، أن اغلب التغيرات التي تمت مؤخرا على امتحان "التوجيهي" تصب جميعها في اطار اجراءات الامتحان 
كـ"إلغاء الاختيار من متعدد، وإلغاء العلامة الحدية، وتقليص مدة الامتحان، وتجميع الطلبة في قاعات مركزية، واستخدام قلم حبر موحد، والاستعانة بقوات الدرك لحماية القاعات"، وهذه التغييرات لا تصب في إطار تطوير الثانوية العامة لأن الامتحان بقي تحصيليا ولم يتحول الى امتحان كفايات، فضلا عن أنه ما يزال "يسوده القلق والتوتر باعتباره امتحانا مصيريا أو امتحان قبول جامعي".
واعتبر السعودي أن الاجراءات الإدارية التي اتخذتها الوزارة هدفها ضبط الامتحان وتقليل الغش وليس تحسين نوعية التعليم، مشيرا إلى أن الامتحان يجب ان يقيس مدى اكتساب الطلبة للمهارات وليس للمعرفة.
وأشار إلى أن دول العالم تهدف من عقد امتحان الثانوية العامة "نهاية مرحلة دراسية ولكن لدينا في الأردن يعد نهاية مرحلة وقبولا جامعيا" وهذه الازدواجية بالأهداف ذات خطورة عالية، كون "جميع الطلاب يرغبون بالنجاح لالتحاق بالجامعات والحصول على علامات مرتفعة لكي يدرس التخصص الذي يرغبه".
وعبر السعودي عن رفضه لعقد امتحان التوجيهي مرة واحدة نهاية العام، "بل يجب ان يكون هناك امتحان وطني في نهاية كل من الصف الأول والثاني الثانويين تحتسب معه أعمال الطالب في العامين الأخيرين بالمدرسة، بالاضافة إلى عقد امتحان قبول جامعي، مؤكدا أن عملية "تطوير الثانوية العامة تعني تطوير المنظومة التعليمية بكافة مكوناتها".
لكن وزير التربية والتعليم الأسبق ابراهيم بدران اعتبر ان ما قامت به الوزارة من اجراءات خلال الفترة الماضية، جميعها تركز على جانب ضبط الامتحان وهو امر مهم يجب ان يحسب للوزارة، أما المطلوب فعليا فهو تطوير الامتحان "من خلال تطوير التعامل مع تحصيل الطالب، وليس ضبط عملية الغش في الامتحان".
واضاف، أن الدول الاخرى لا تتكلف اجراءاتها لضبط الامتحان كل هذا المجهود الكبير كما هو الحال لدينا، رغم ان الوزارة مضطرة لمثل هذه الاجراءات لضبط الامتحان، ولكن "الحديث في تطوير الامتحان ما يزال مطلوبا".
وبين ان تطوير الامتحان يجب ان يتم على مراحل ووفق برنامج زمني معلن مسبقا، بحيث لا يكون قرارا فجائيا لأن كل قرار يتعلق بالامتحان يترتب عليه التزامات تجاه الطالب والجامعات.
واوضح بدران أن الجامعات تعمل على نظام الساعات المعتمدة وتقبل الطلبة على مرحلتين في الفصل الأول والثاني، لذلك يجب النظر إلى كيفية التعامل معها في حال تم تطبيق قرار عقد الامتحان مرة واحدة بالعام.
واشار إلى أن تطوير الامتحان يجب ان يكون جوهريا، مثل تقليل عدد المواد الممتحن بها بحيث لا يمتحن الطالب بجميع المواد، ويجب ان يمتحن بست مواد، 3 منها اجبارية لجميع الطلبة، و3 اخرى اختيارية حسب ميل الطالب والتخصص الذي يرغبه في الجامعة.
وإضافة الى ذلك، يقول بدران ان تطوير الامتحان يجب أن يأخذ بالاعتبار "تخليص الطالب وذويه من فكرة ان الامتحان يحدد مستقبل الطالب" من خلال اعطاء 20 % من علامة امتحان التوجيهي للمدرسة، وهذا من شأنه ان يعطي المدرسة والمعلم أهمية كبيرة بحيث يجعل الطلبة يلتزمون بالحضور إلى المدرسة يوميا، موضحا انه في النظام المطبق حاليا لا يشعر الطالب بأهمية المدرسة ولا يلتزم بالدوام كونه يعتمد على المراكز الثقافية أو التدريس الخصوصي.
ودعا بدران إلى انشاء مركز وطني لقياس القدرات يخصص له 20 % من علامة الامتحان، وبالتالي يصبح الوزن الفعلي لامتحان التوجيهي 40 % وهكذا نتخلص من القلق والتوتر الذي يرافق الطلبة وذويهم خلال هذه الفترة، وإلا سنبقى ندور في إطار إصلاحات شكلية لا تحدث تغييرا ملموسا على جوهر الامتحان.
وفيما ابدى رئيس لجنة التربية في مجلس النواب النائب بسام البطوش تأييده للإجراءات والآليات التي اتخذتها الوزارة لإعادة الاحترام والهيبة لامتحان التوجيهي، أكد رفضه لقرار الوزارة بعقد الامتحان مرة واحدة بالعام لأن الهدف من هذا القرار تقليل كلفة وجهد عقد الامتحان، "وليس قرارا أكاديميا لتطوير العملية التعليمية".
واوضح البطوش أن الوزارة طبقت هذا النموذج سابقا، وثبت فشله لذلك تم التراجع عنه، مشيرا إلى أن المبررات التي أعلنتها الوزارة لتطبيق القرار كلها مبررات ادارية وليست لإصلاح وتطوير العملية التعليمية.
من جانبها، رأت رئيسة لجنة التدريب وأمين سر نقابة المعلمين هدى العتوم أن الوزارة تركز على مرحلة الثانوية العامة، في حين يقل تركيزها للصفوف التي تسبق المرحلة الثانوية من خلال الاعداد.
واشارت العتوم الى ان الوزارة توجه تركيزها على تقييم اداء الطلبة والاختبارات الوطنية دون الوصول إلى الجهد المطلوب للتأكد من سلامة الخدمات وجودتها، مثل البيئات التعليمية وتوزع الامكانات بعدالة وتمكين المعلمين في كل المراحل، وتحليل البيانات لتبنى عليها القرارات وترسم بناء عليها السياسات.
ووصفت قرار الوزارة عقد "التوجيهي" مرة واحدة، بأنه قرار متسرع وغير مدروس، ولا يمر بمراحله المفترضة، موضحة ان من الواجب أن تتسم قرارات الوزارة بالروية لأنها طويلة الأمد.