بقدر ما كانت الأرقام، التي أعلنت عنها جلالة الملكة رانيا العبدالله عن التعليم خلال حفل إطلاق الاستراتيجية الوطنية لتنمية الموارد البشرية أول من أمس، صادمة ومؤلمة وتعكس واقعا خطيرا من شأن استمراره التأثير على أجيال الأردن، بقدر ما كان الكشف عنها مؤشرا إلى أن خارطة طريق إصلاح التعليم باتت واضحة المعالم، وبقدر ما كانت ايضا محفزا من أجل النهوض به.
فعملية الإصلاح تحتاج إلى وضع اليد على الجرح ومعرفة مدى عمقه، قبل "البدء في تطبيبه"، الذي يحتاج إلى أمهر الأطباء، وأكثرهم تدريبا.
وما ميز هذه الخطة، التي من المتوقع تنفيذها خلال عشرة أعوام، هو أنها تجاوزت مرحلة الدعوة إلى ضرورة النهوض بالتعليم، إلى مرحلة التنفيذ الشاملة، ولمراحل التعليم كافة، تحت عنوان "أقصر السبل لحل المشاكل هي المواجهة لا التجاهل"، وأن بدء الاصلاح لا يكون من أعلى الهرم، بقدر ما يكون من الجذور.
بيد أن الواقع يحتم التأكيد على أن هذا لن يتحقق إلا إذا تم تأطير عمل القطاعات المعنية بالتعليم، مع وجود آليات قياس الإنجاز، وقرارات حازمة والتزام بتنفيذ مراحلها، التي قال وزير التعليم العالي د. وجيه عويس "إنها مرتبطة بأولويات ومراحل زمنية تتناسب مع الواقع العملي وخيارات التمويل المتاحة والظروف الاقتصادية".
البعد المنطقي والعملي في الخطة أنها قامت على فكرة أن تحديات التعليم كثيرة ومتشابكة، ولا يوجد جهة واحدة مسؤولة عن المشكلة، إنما الجميع يتحملون مسؤولية حلها، فعمدت إلى تشخيص الحال ووضع الحلول المناسبة لتجاوز تحدياته وعقباته، لينعكس ذلك إيجابيا خلال أعوام قليلة مقبلة على مخرجات التعليم والتعليم العالي.
الخطة شخصت واقع التعليم، بدءا بمن هم دون سن الثالثة (2 % يحظون بتعليم مبكر)، مرورا بمن هم بين الثالثة والخامسة (28 % منهم يحظون بتعليم مبكر)، ثم الطلاب من الصف الثاني والثالث الابتدائي (80 % دون مستوى مرحلتهم في القراءة)، وما بعد ذلك حتى الصف الثامن (تراجع في الرياضيات والعلوم)، ثم الصف العاشر، فالتوجيهي (زيادة نسب الرسوب)، إذ بينت الارقام أن مخرجات التعليم لهذه الصفوف متدنية جدا، وتقتل الطموحات.
مؤشر هذه النسب يدل على أن الأصوات التي تعالت خلال الأعوام الماضية والمنادية بإصلاح التعليم ما كانت تسمع، وأن المبادرات التي أطلقت كانت حبيسة الافكار فقط، ولم ترتق لمرحلة التطبيق.
ولأن النهوض بالتعليم هو البداية العملية لتحقيق الاصلاح الشامل، فإن التباطؤ في تحقيقه، هو مخاطرة بالمستقبل، إذ باتت القصة كبيرة، وخط حروف كلماتها، لا تهاون فيه، والتوجه العام ينطلق من عملية متداخلة ومتشعبة تتطلب جهدا غير مسبوق بهدف تحقيق نتائج غير مسبوقة، من خلال مجموعة من الحلول، أبرزها إعادة النظر في القضايا الهيكلية مثل ادارة التعليم ووضع سياسات تجلب الكفاءات العالية لمهنة التعليم وتحافظ على مستواهم، والمساءلة، وتحمل مسؤولية ضعف مخرجات التعليم وأسبابه.
الخطة كسرت حاجز الصمت، حيث تحدثت عن الإنفاق المالي لوزارة التربية والتعليم، والمخصص لتطوير العملية التعليمية، مشيرة إلى أن هذا المخصص من أهم أسباب تراجع مستوى التعليم في الأردن، إذ يخصص أقل من 10 % من موازنة الوزارة لتطوير التعليم، فيما 90 % تذهب كنفقات ادارية، الأمر الذي يتطلب إعادة النظر بتوزيع الموازنة، أو تدعيمها، ودون تحقيق ذلك ستبقى الطموحات تدور في رحاها.
بيد أن المشلكة لا تتوقف هنا، حيث أن أهم معيقات اصلاح التعليم تتمثل في تحميل المعلمين مسؤوليات النهوض بجيل دون تقديم مساعدة حقيقية له، إلى جانب، عدم توفر التنكنولوجيا الحديثة والانترنت لتعليم طلبة المدارس ابجدياتها منذ الصغر، وبالتالي مواكبة التطور العلمي.
العلاج يبدأ بوضع الحلول، وهذا ما ركزت عليه الخطة عند طرحها أقصر الطرق للخروج من الأزمة والوصول إلى جيل أردني قادر على المنافسة في القرن الواحد والعشرين، وأول هذه الحلول، يتمثل في تزويد المدارس بالتكنولوجيا وأدوات التعليم الإلكتروني لمواكبة لغة العصر (مئات المدارس غير مربوطة بالإنترنت)، وتقديم منهاج يثري التعليم للطلبة، حيث سيتم انشاء مركز مستقل لوضع منهاج يثير آفاق المعرفة.
وفيما يتعلق بالمعلمين (50 % منهم اختاروا مهنة التعليم لأنها كانت أفضل المتاح أو الخيار الوحيد)، سيتم إنشاء كلية لتأهيلهم وتدريبهم لمدة عام قبل دخولهم الصفوف، إلى جانب كسر القوالب الفكرية والمحددات التقليدية التي جعلت التعليم جامدا لا حوار فيه.
أهم ما يحتاجه الأردن، هو منظومة تعليمية تستطيع الوصول بالطلبة إلى مرحلة الفهم والتحليل والتفكير، بدلا من التلقين، وأن الوصول إلى هذه المرحلة لا يحتاج إلى خطة على ورق بقدر ما يحتاج إلى تضافر الجهود وتوفير الدعم اللازم لتحقيقها على أرض الواقع.