لأول مرة نشهد في الأردن ردّة فعلٍ مجتمعيّة بهذا الزخم تُجاه تعديلات المناهج، حيث ضجّت منصات (التواصل الاجتماعي) بمنشورات (الانتقاد والاعتراض) على التغييرات التي تنوعت بين استبدال أسماء لأشخاص وأماكن بأخرى، واستبدال نصوص دينية أو حذفها من الدرس نهائيا وتغيير دروسٍ بشكل كامل .
 

الانتقاء في التقاطِ الاختلافات بين الكتب القديمة والجديدة ركّزت على تتّبع الإشارات والاقتباسات الدينية (نصاً وصورة) بشكل حصري، دون انتباه لوجود تغييرات أخرى لم تستحق الوقوف عندها و(مدْحها أو ذمّها) فتعزيز فكرة مهاجمة الدين من خلال التعديلات كانت هي المُحرّك والحافز للبحث.

التغييرات من تلك الزاوية شكلت استفزازاً للمجتمع المتديّن بفطرته وللعقل الجمعّي الذي يرفض المساس بثوابت الدّين والوطن والهُويّة، فألبوم صور واحد -يتضمن انتقاءات لتلك التغيرات- كفيلٌ بإقناعك بأن التغييرات هي هجمة مخططة ضد الدين، كصُور (المحجبات اللواتي خلعن حجابهنّ) أو (الملحتين الذين قصّوا لحاهُم) في مقارنات بين الكتاب القديم والجديد، كذلك حذف مواطن الدعاء والذكر، وأيضاً استبدال جمل تتضمن إشارات دينية لجمل أخرى خالية من أي تأثير، وقِس على ذلك بقية الانتقاءات.
 

برغم ما سبق فإن ما حدث لم يكن ليحظى بانتباه أحد، لو تم استبدال المنهاج القديم بأكمله بمنهاج جديد كلياً وقتها من سيملك (فكرةً وهدفاً حماسةً) لتتبع الاختلافات التي سيصعب التقاطها بين القديم والجديد، لكن ما جرى مقارنة طبعتين متتاليتين سهّل إدراك الفروقات بين الكتابين، مما أدى لهذه الحملة.
 

ما أريد الإشارة إليه أن حملة الانتقادات لم تقم على دراسة منهجية علمية بل ردّة فعل (ارتجالية عفوية) تشير لحبّ المجتمع للّدين وغيرته عليه، وقد تم تصميم مناهج يفترض أن تلقى انتقادات أشدّ لم يلقي لها أحد من المنتقدين بالاً لأنها كانت مناهج جديدة وليست مجرد تعديلات.
 

كنت أتمنى أن تدعم هذه (الهبّة المجتمعيّة) دعواتنا المستمرة لتطوير المناهج بحيث يُعاد صياغتها بشكل يتناسب مع حاجات العصر المتسارعة، وحجم الحوسبة والتقنية التي باتت مرافقة لكل تفاصيل حياتنا، وبنحْوٍ يُمّكن طلبتنا من امتلاك مهارات وقدرات حياتية تؤهلهم لإدارة ذواتهم في عالمنا المتغير، وتطالب بتطويرٍ يحافظ على قيم (العدالة والمواطنة، الوسطية، الحرية، المشاركة، وتقبل الآخر واحترام حقوق الإنسان) وغيرها من القيم المستهدفة الآن بشكل غير مسبوق .
 

من الملاحظ أيضا أن تعليقات بعض (الآباَء والأمهات) تشير لسلبّية دورِهم في حياة أبنائهم، ففكرة أن المنهاج قد (يُنّمي أو يهدم) أجيالنا القادمة هي مبالغةٌ في مدى تأثيرالكتاب المدرسي، فواقعياً نحن نرى ذلك الكتاب ممزقاً بالشوارع والساحات بُعيد خروج الطلبة من الامتحان النهائيّ -للأسف طبعاً- فالمنهاج له دوٌر مُهم.
 

ولكن الأهم هو دور الأسرة (آباء وأمهات)؛ لأنّ صياغة شخصية الطالب، و تشكيل وعيه، وزيادة آفاقه، وتنمية مهارات وقدراته كلها تقع في المقام الأول على الأسرة. وأستطيع الاستشهاد بعدد كبير من طلبة مدارسِنا الأردنية ممن لم يتأثر سلباً رغم دراسته المناهج -البريطانية والأمريكية- والتي تخلو من أية إشارات دينية أو وطنية وسبب ذلك قيام الأسرة بدورها على أفضل وجه.
 

هل فهمت مني أني أقلل من أهمية المنهاج؟ بالطبع لا ولكني كنت ألفت انتباهك -عزيزي القارئ- لعامل أكثر أهمية: (الأسرة)، وأيضاً سأنتقل لعاملٍ آخر لا يقل أهمية في التأثير: (المعلم)، نعم المعلم له الدور الأكبر في إثراء المنهاج وهو قادرٌ على اضعاف منهاج قوي و تقوية منهاج ضعيف، فالمعلم هو من يحدد استراتيجة عرض الدرس لطلبته وأهمية كل معلوم ويفسر براحته لطلبته نصوص الكتاب ومواضيعه، ويحدد وزن المعلومة من خلال التركيز عليها في اختباراته.

ومما لا شكّ فيه أن حضور المعلم كقدوة هو أهم بمراحل من سطرٍ هناك وجملة هناك. لذا إن كانت تلك الهجمة منطقية فالأصل أن تكون للمطالبة بتدريب المعلم وتأهيلهِ وحسن انتقائه وتحسين معيشته كي يتمكن من إيصال أهداف المنهاج لطلبته وتحقيق نتاجاته.


هل ظننتي أدافع عن التغيرات..؟ ما أريد قوله: لنخرج من الصندوق ونرى المشهد بشكل أوضح، تطوير التعليم لن يتم من خلال تعديلات سواءَ (أعجبتك أم لا ترضيك)، التطوير يتم من خلال خطة استراتيجية تناقش فلسفة التعليم وقيمه وأهدافه ونتاجاته، وهنا فقط أريد أن أحصل على "وقفة مجتمعية" تطالب بهكذا طرح.
 

من الجدير ذكره أيضا أن طلابنا يتعلمون من خلال ما نسميه (المنهاج الخفيّ) وهو ما يتعلمه الطالب بشكل غير مخطّط من ثقافة وآراء وقناعات وسلوكيات يراها في مجتمعه وأسرته ومدرسته وأقربائه وجيرانه، ولا ننسى تأثير "السوشال ميديا" وما تتضمنه من تأثير على مستوى الصورة وما تقدمه من تفاصيل لحياة المشاهير، علماً أننا نشهد حضور قدوات لم تقدم شيئاً لتحظى بمتابعة أبنائنا سوى (إعلان ممول) لمنتجهم الرديء.

إن كنت سأطالب بأمرٍ فأنا لست مع هذه التغييرات المستفزة ولست بالمناسبة مع العودة للمنهاج السابق. أنا مع إجراء مراجعة شاملة لمنظومة التعليم بالأردن بما فيها المناهج . حيث يتوجب علينا التوافق على تقديم إجابات للأسئلة الكبرى: (لماذا نتعلم؟ كيف نتعلم؟ ماذا نتعلم؟) وإن كنت أتكلم بشكل شموليّ فعّل الأمر يخرج من الدعوة لـ (خطة سنويّة لتطوير التعليم) بل قد أتكلم عن (خطة عشريّة).
 

فتطوير التعليم بشكل نوعيّ يتطلب خطة استراتيجية كما حدث في دول "فنلندا وسنغافورة والبرازيل وغيرها" ؛ ولعلّني أحيل القارئ لإعادة سماع خطاب جلالة الملكة -رانيا العبدالله- الأخير الذي تحدثت فيه عن هذا الشأن في حفل إطلاق الاستراتيجية الوطنية لتنمية الموارد البشرية. وبالمناسبة أدعو لإعلان تفاصيل تلك الخطة وتنفيذها دون ربطها بشخص وزير أو مجلس للتعليم وأن نعي أن التخطيط الجّيد لن يعطي نتائج جيدة إلا إذا رافقته رقابة جيدة. 

رابط المدونة