عمان- طالب خبراء تربويون بإقرار نظام للمساءلة التعليمية، يهدف إلى مساءلة كل مدرسة ومدير ومعلم عن نتائج الطلبة ومخرجات العملية التعليمية، التي يبدو أن تراجعها يتكشف يوما بعد يوم نتيجة لاعتبارات عديدة، مؤكدين ضرورة ايجاد محطات تقيمية لكل مرحلة او مستوى تعليمي.
جاء ذلك تعقيبا على نتائج اختبار التوجهات الدولية في دراسة الرياضيات والعلوم (TIMSS) التي أظهرت "تراجع مستوى الأردن في اختبار الرياضيات للصف الثامن ضمن مؤشر "تيمس"، 20 نقطة، بين العامين 2011 و2015، حيث جاءت نتيجة الطلبة في الاختبار العام الماضي بمقدار 386، كما تراجع مستوى الأردن في امتحان العلوم للصف الثامن في "تيمس" 23 نقطة للفترة نفسها، وكانت العلامة الإجمالية للطلبة في العلوم 426".
وبينما شمل امتحان "التيمس" لهذه الدورة 39 دولة، من ضمنها 10 دول عربية، فإن ترتيب الأردن بين الدول العربية كان الخامس، فيما ينتظر الأسبوع الحالي الإعلان عن نتائج اختبار "بيزا" الخاص بمستوى القراءة. 
وبين هؤلاء الخبراء، لـ"الغد" أنه "طالما استمرت وزارة التعليم من خلال مدارسها ومعلميها بالتركيز على الحلقة الأخيرة في المنظومة التعليمية، المتمثلة في التقييم، دون الالتفات إلى عناصر المنظومة التربوية الأخرى، فإن النتائج ستواصل التراجع في كافة المجالات".
وقالوا: "بداية الحل تكمن في الابتعاد عن الترويج الإعلامي للإنجازات الوهمية، والانصراف إلى جوهر تجويد التعليم".
وانتقدوا في الوقت ذاته ما وصفوه "الأساليب العقيمة التي يتم من خلالها تدريس الطلبة في كافة المواد، وتحديدا في مواد التفكير كالرياضيات والعلوم والفيزياء".
وكان المجلس الاقتصادي والاجتماعي الأردني أوصى في دراسة "تنافسية الأردن" التي أعلنها مؤخرا باختصار سنوات التعليم من خلال التخلص من "الحشو في المناهج والخطط الدراسية والتركيز على المفاهيم النظرية والعملية التطبيقة، واعتماد وسائل تكنولوجيا المعلومات المتطورة بكثافة، بحيث يتم تيسير الحصول على المعلومة من خارج الحصص الدراسية بشكل أكبر، وحل المسائل في الصفوف وليس في المنزل، واعتماد أساليب تدريس المجموعات الصغيرة والتدريس التفاعلي".
وأكد أستاذ الرياضيات في الجامعة الأردنية خالد أبو لوم أن "نتائجنا المدرسية في اختبار "TIMSS" للعام 2015 في الرياضيات والعلوم، أظهرت تراجعا بين 20 و23 نقطة عنها للعام 2011، حيث حصلنا في المجموع العام على ترتيب الخامس عربيا من بين 10 دول، وكذلك من 39 دولة مشاركة".
وبين أبو لوم لـ"الغد"، أن هذا التراجع "يتطلب منا وضع خطة لتعديل موقفنا لاحقا، عبر الإسراع في تدريب المعلمين على كيفية التدريس لمثل هذه الاختبارات الدولية، وتطوير المناهج بالصورة التي تضمن التدريس للحياة والواقع، والابتعاد عن التلقين وتدريس ما هو غير ضروري لحياتنا اليومية من منظور عالمي".
ودعا إلى إنشاء مديرية في وزارة التربية تعنى بالاختبارات الدولية بموازاة مديرية الاختبارات المدرسية، أو إنشاء قسم في مديرية الاختبارات يعنى بذلك، بحيث يسعى إلى التعريف بكيفية إعداد اختبارات مكافئة للاختبارات الدولية لكي يألفها كل من المدرسة و المعلمين والطلبة وأولياء الامور، وجميع العاملين في هذا المجال، فضلا عن تعزيز المدارس التي كانت نتائجها إيجابية، ومساءلة المدارس التي أخفقت".
وطالب بإدخال التكنولوجيا إلى حيز التدريس "دون خوف أو خجل"، بغية الاطلاع على كل ما هو جديد للمعلم والطالب والإدارة المدرسية، كما طالب بضرورة إنشاء قسم في كل مدرسة بمسمى "قسم التطوير التربوي والاختبارات"، يعنى بتزويد المعلمين وتدريبهم، وليكون حلقة الوصل بين مديرية التربية والمدرسة كميدان تطبيقي.
وشدد على ضرورة زيادة الاهتمام باللغة العربية، كتابة وقراءة وفهما واستيعابا، من خلال زيادة عدد الحصص للغة العربية، واهتمام معلم الرياضيات باللغة أثناء تدريس الرياضيات، لأن "بعض أسباب الإخفاق يعود إلى عدم إتقان الفهم القرائي للمسائل الرياضية.
من جانبه، عزا الخبير التربوي الدكتور محمد أبو غزلة، أسباب التراجع، إلى "غياب نظام المساءلة التعليمية"، مشيرا إلى أنه "لو كان هناك لكل مدرسة مساءلة عن نتاجاتها ومخرجاتها وتدني المستوى التحصيلي للطلبة فيها، فسيقيم كل مدير ومشرف تربوي ومعلم اعتبارا لذلك".
كما عزا الأسباب إلى "افتقار البيئات التعليمية لمصادر التعلم المختلفة، التي تمكن الطلبة من التعليم وإتقان مهارات التفكير العليا وحل المشكلة، والمهارات الحياتية، وغياب توظيف التكنولوجيا التفاعلية في المواكبة التعليمية التي تعزز من تعلم الطلاب وتقرب وتبسط المفاهيم لهم". 
واعتبر أن من أسباب تدني التحصيل أيضا، "التركيز على الحلقة الأخيرة في المنظومة التعليمية، المتمثلة في التقييم فقط، حيث يكون التركيز عليه دون الالتفات إلى عناصر المنظومة التربوية الأخرى".
وأشار إلى أن "مناهجنا تفتقر إلى النشاطات والتدريبات العملية، التي تحاكي احتياجات الطلبة التعليمية، على غرار التطبيقات العملية والتجارب والنشاطات التي تحث على التفكير"،لافتا إلى "أننا ما زلنا نركز على التلقين دون الانتقال إلى مرحلة المهارات العملية والتطبيق العملي والتجريب لدى الطلبة، وإعداد الطلبة ليكونوا باحثين تربويين".
وبين أن تدريب المعلمين "ما يزال يفتقر إلى ترك أثر يذكر في الغرفة الصفية، وتنتهي فاعلية التدريب داخل المشغل التدريبي".
وأوضح أن آليات اختيار المشرف التربوي منذ 7 أعوام ما تزال "تعتمد على بعض الجوانب التي تفتقد جوهر عملية التعليم، فالإشراف التربوي يعاني من مشكلات كثيرة، وهو ما تسبب بإسقاطات على واقع النظام التعليمي، حيث اتسعت الفجوة بين المعلم والمشرف التربوي، فأصبح المعلم لا يقبل أي فكرة منه، وكذلك الأمر عند اختيار القيادات التربوية في الفترة الأخيرة، والتي اعتمدت للأسف على أسس أقرب ما تكون إلى أسس نظام الخدمة المدنية".
وقال إن "الاختبارات التي تعقد للمعلمين الجدد والمشرفين والقيادات التربوية تعتمد على الجانب النظري البحت، ولا تشتمل على الجوانب التطبيقية العملية، ولذا يجب أن تتم عمليه اختيارهم وفق مراحل مختلفة من الاختبارات، ومنها التطبيق العملي، على غرار ما يجري للمعلمين في الدول المتقدمة، حيث يخضع المعلم للتدريب سنة واحدة قبل التحاقة بالغرف الصفية". 
وأضاف: "إذا بقينا ندير نظامنا التعليمي بهذه الطريقة فلن تتحسن صورتنا في الاختبارات الدولية"، داعيا الوزارة والقائمين على النظام التعليمي، إلى الابتعاد عن "الترويج الإعلامي للإنجازات الوهمية، والانصراف إلى جوهر تجويد التعليم".
وتساءل: "كيف نبحث عن تعليم نوعي في ظل وجود 60 طالبا في الغرفة الصفية الواحدة، وهناك 14 % من مجموع مدارسنا تعمل بنظام الفترتين، ولدينا نحو 27 % من المدارس مستأجرة، مشيرا إلى أن "النتائج تختلف من دورة إلى أخرى، إذا تم إعداد المعلمين والمشرفين والطلبة وتحسين أساليب التدريس، فضلا عن إيجاد هيئة إشراف وطنية على النظام التعليمي".
وشدد على أهمية استخدام الاتجاهات التربوية الحديثة في أساليب التدريس، وتوفير مخططات تقييمية لكل مرحلة أو مستوى تعليمي، بحيث يكون الهدف تطوير الأداء لمعرفة مجالات الضغف والقوة ومعالجة الخلل وليس التقييم، كما طالب بتطوير البيئات التعليمية المحفزة والمشجعة على التعلم، من خلال توفير مصادر تعلم مختلفة وتوظيف وسائل تكنولوجية في تفعيله. 
من ناحيتها، اعتبرت المستشارة التعليمية الدكتورة إيمان عبد، أسباب تراجع أداء الطلبة في الاختبارات الدولية متعددة يتحملها المعلم والطالب وذووه والوزارة والعناصر التربوية المعنية بالعملية التعليمية.
وبينت عبد أن "المعلمين لا يمتلكون المفاهيم الرياضية بحيث يتم التركيز على المعرفة الإجرائية أكثر من المعرفة المفاهيمية، بالإضافة الى اعتمادهم على أساليب التلقين، وعدم ربط المعرفة العلمية بالحياة العملية اليومية".
وأضافت أن المعلم "يدرس الطلاب مبحث الرياضيات من أجل اختبار تحصيلي يعقد شهريا أو يوميا وليس من أجل إتقان الرياضيات، فلذلك ينسى معظم الطلبة ما يتعلمونه، كون امتحان "تيمس" يقيس قدرات وكفايات ومهارات الطلبة أكثر من الامتحانات التحصيلية".
وبينت أن الأساليب التي يتبعها المعلم في التعليم هي "أساليب عقيمة، فالتعليم اليوم يركز على الاستقصاء وتعلم المشروع واستراتيجية حل المشكلات، لكن المعلم ليس لديه معرفة بهذه الأساليب، فهو يعرفها نظريا لكن تطبيقها عمليا ليس موجودا، وهناك الكثير من المفاهيم التربوية لا يدركها المعلم، ولا يعرف التعامل معها، كالفروق الفردية بين الطلاب ومعناها وكيفية معالجتها، وكيف يعكسها في تعلم الرياضيات بطريقة علمية".
وأشارت إلى أن الإدارة المدرسية لا تتوفر على متابعة ومساءلة للمعلمين، ولذا يجب أن يكون هناك اختبار قدرات يعقد سنويا للطلبة، فالمدارس التي يحصل طلبتها على نتائج ضعيفة تجب محاسبتها، والمدارس التي يحصل طلبتها على علامات مرتفعة يتم تعزيزها.
وشددت على "ضرورة إعادة دور الإشراف التربوي في الميدان، بالإضافة إلى إعادة النظر في أسس اختيار المعلم والتحاقه بالتعلم الجامعي، ففي دول على غرار فنلندا وسنغافورة، يذهب الطلبة من أعلى المعدلات في الثانوية العامة إلى سلك التعليم بعكس ما يحصل عندنا".
ولفتت إلى ضرورة تأهيل وتدريب المعلمين، ليصبحوا أكثر امتلاكا لأساليب التدريس الحديثة، مشيرة إلى أن الدورات التي تعقد لمعلمين جدد "يجب عقدها لجميع المعلمين دون فصلهم حسب تخصصاتهم، بل يجب أن يكون هناك تدريب ليس عاما بل ملائم للتخصص الذي يدرّسه المعلم".
وشاطرها الرأي أستاذ مناهج العلوم وأساليب التدريس في جامعة الزرقاء الدكتور طلال الزعبي، الذي أكد أن "المنظومة التعليمية بكافة مكوناتها (إدارة المدرسة، المعلمون، الطلبة)، مسؤولة عن هذا التراجع في أداء الطلبة في الاختبارات الدولية.
وشدد الزعبي على ضرورة "إعادة النظر في مناهجنا ومدى تلبيتها لرغبات وميول الطلبة، ومناسبتها لاتجاهاتهم وقدراتهم ومستوى نموهم، ومعرفة هل المفاهيم الموجودة في الكتب المدرسية تعتمد التتابع والاستمرار والتكامل العمودي في المبحث الواحد عبر الصفوف المختلفة".
ولفت إلى "أهمية التنسيق والتكامل في الموضوعات المختلفة في الصف الواحد"، متسائلا "هل هناك تنسيق بين مادة  الرياضيات والتربية الإسلامية، مثلا؟ فبعض الدروس كالميراث يستخدم في الرياضيات".
وبين أن "منهاج العلوم لدينا يركز على التفكير العلمي الناقد، لكن هل يترك المجال للطالب خلال الحصة الصفية للتفكير للوصول للإجابة؟"، مشددا على ضرورة منح الطلبة فرصة للقيام بالتجارب العلمية في حصة المختبر بأنفسهم تحت إشراف المعلمين.
وكان نائب رئيس الوزراء لشؤون الخدمات وزير التربية والتعليم الدكتور محمد الذنيبات قال خلال حفل إعلان المركز الوطني لتنمية الموارد البشرية الثلاثاء الماضي نتائج مستوى أداء طلبة الأردن في الدراسة الدولية للرياضيات والعلوم، الذي أجري مطلع العام 2015، بأن الوزارة "ستضع الخطط الكفيلة بتحقيق التحسن المطلوب في هذه الامتحانات الدولية، وذلك من خلال خطط سريعة ومتوسطة وبعيدة الأجل، بحيث تتضمن مأسسة عملية الاستعداد للاختبارات الدولية، واستحداث قسم خاص للتدريب عليها، وإضافة أنماط مثل هذه الأسئلة في الكتب المدرسية، والمضي في تنفيذ ما جاء في خطة التطوير التربوي التي أقرت العام 2015، ومساءلة المدارس ذات الأداء المتدني، ومنح الحوافز للمدارس الجيدة، وكذلك للمعلم والطالب".

أوائل - توجيهي أردني