لا يضطرّ طفلٌ لم يجاوز الحادية عشر ربيعاً بعد، وما يزال تتفتّح عينه على الحياة والناس وزيادة مساحات الخُطى باتجاه مستقبلٍ واعدٍ، إلى أن يتقوّس باتجاه مرمى بصره، وهو يحملُ أرتالاً من كتب ما تزال هي الأخرى تحمل «لا مواكبة»، ووقوفاً عند عهدٍ قديم.

ومثلما يحمل شعور هذا الطفل كثيرون هم عيّنةٌ على أبناء جيلٍ بأكمله، ما يزالون تحت تأثير سطوة «الروّاد» وزمانهم الذي يمتحنوننا اليوم بالقياس إليه، على تباين الظروف ووفرة المقوّمات،.. فإنّ حاجةً ملحةّ تمور بها صدور غيورين، أيضاً، لأن تتفتّح البراعم وتتوقّد الأذهان، فلا تقف عند حدٍّ في التحصيل والفهم والعطاء الذي نتطلّع إليه من هذه الغراس وينتظره المجتمع منهم بعد عهدٍ قريب.

إنّ عصراً تتفتّق فيه الآلة التكنولوجيّة كلّ يومٍ عن جديد، مثلما يتسمّر فيه أبناؤنا أمام الشاشات ليل نهار، ليصبحوا مَهرةً جداً في التواصل الاجتماعيّ ونوافذه اللامنتهية،.. يتطلّب منّا جميعاً، تربويين وآلةً إعلاميّةً وتخصصاتٍ في النفس واللغة والاجتماع وكلّ ما يتصل من حقول توجيهيّة وإرشاديّة، أن نعي خطورة الوقوف عند النقطة وعدم تجاوزها، بحجّة «الحفاظ على الأبناء»، وهي مسألة لم تعد مقنعة كثيراً، خصوصاً وأنّ حقيبةً «تكسر الظهر» باتت تقلق الطالب وتشغله عما نرجو أن يتزوّد به من معلوماتٍ ومعارف ومهارات.

ليست المسألة تخففاً من كتب يحملها الطلبة، بقدر ما هي مؤشّر على طريقة وأسلوب، ومناهج يقف «البعض» أمام أن تطرأ عليها رياح التغيير الإيجابيّ ومواكبة العالم موقفاً صلباً عنيداً لا يلين، ولعلّ من نافلة القول أنّ الحفاظ على روح المنهاج لا تنفي أن يخضع هذا المنهاج لدراسةٍ واختبار، فبين الأمس واليوم مسارٌ طويل بحاجة إلى أن نقرأه بعين ذكيّة موضوعيّة تدرك المستجدّ وتؤمن بأحقية الأجيال في «عصرنة» العقول واستفادتها مما تمدّنا به نظم التعليم الإنسانيّة المتطوّرة، والتي تتطلّب منّا أن نلاحقها في عالمٍ أقلّ ما يوصف به هو أنّ التقدّم فيه اليوم يصبح قديماً بالقياس إلى نجاحاتٍ وابتكاراتٍ تطلع علينا كلّ يوم.

لا يختلف اثنان، في السياسة التعليمية، على المنفعة الكبيرة للفهم والتدبّر والابتكار، والخطر المستقبلي من أن يظلّ الطالب في مناهجنا التربويّة متلقياً بارداً غير فاعل، يشعر بوطأة المقرر واللارغبة في تناوله أو تلقيه، جرّاء ما اعتدناه من حشوٍ وتلقين، وفرض»أجندات»، فترى الطالب بعد حين يخرج إلى المجتمع والوظيفة والحياة لا يقدر على الوقوف أو الصمود دقيقةً في حديثٍ شفاهي، وربّما ارتدّ إلى ذهنيّته المنغلقة وهو ينكر غيره ولا يقبله، أو يتعاطى على الأقل معه، في وقتٍ تطوّرت فيه الشخصيّة الإنسانيّة واثقةً مطمئنة إلى قدراتها التي كانت نمّتها الآلة التربويّة من قبل، وهي آلة ظللتها الرؤية واجتمعت لها جهود متكاملة نحو هذا اليوم، لكي لا نصل إلى مرحلة خطيرة تكون فيها شخصيّة الطالب «بوقاً» لأفكار لا تسمح لها حتى بأن تتمرّن على العطاء والانفتاح وقراءة الواقع الجديد.

وعوداً إلى «حقيبة» المدرسة، التي تثير حديثاً ذا شجونٍ وشؤونٍ أيضاً، وتنوء بحملها أكتاف أبنائنا الغضّة المقبلة على الحياة، نجد أنّ وسائط تقنيّة هي بحجم الكفّ أو أقلّ يمكن أن نلتفت إليها، فنستفيد مما يمكن أن يتخزّن عليها من معلوماتٍ وكتبٍ بل ومجلدات، ويمكن كذلك أن تضع طلابنا بجدوى الوسيلة التعليميّة وما تحمله هذه الوسيلة من تيسيرٍ وفتحٍ للطاقات نحو الإحساس بالذات والإبداع، ومثل ذلك يمكن أن يقال عن ألواح ذكيّة تقابل ألواح الطباشير، إذ لا تنتهي المقاربات أو الالتفاتات في هذا الموضوع إن نحن أحسنّا النيّة ودخلنا المعترك غير متهيّبين نحو صلاح الأجيال والوطن بإصلاح ثقافيٍّ شامل، التعليم جزءٌ أصيلٌ منه.

لا يتعلّق الأمر باستبدال طقس السبورة الخشبية مثلاً أو الإبقاء عليها، مثلما لا نتقصّد في هذا السياق أن نتخلّى عن روح القديم فننفيه، أو نلفتَ إلى تقنية حديثة بدلاً من قديمة، ولكنّ ظرفاً جديداً بالمجمل يظلّ يلحّ علينا لأن ننظر في جوٍّ من المقارنة والمقاربة، لكي نؤمن بـ»الرؤية» أولاً، لنسير في ظلالها نحو تنقية المناهج مما علق بها من أخطاء وشوائب ورواسب عبر هذا المسار الطويل. إنّ علينا، ونحن نتذرّع بالكلام العريض عن الخوف من رياح التغيير، أن نحيّد ما نتخوّف منه على ثقافتنا العربيّة الإسلاميّة، فهذه باقية وليست محلّ إنكار، باعتبارها جذوةً لا تموت مؤسسياً، فضلاً عن بقائها حيّةً في النفوس، لكنّ دعوةً صارخةً وزفرات حارّة من صدور التربويين أنفسهم حيال «الغرفة الصفيّة» في افتقارها اليوم إلى مقوّماتها الحقيقيّة في الاستيعاب بين الأمس واليوم، في ظلّ النموّ الطبيعيّ و»اللجوء» العربيّ الذي يحمل أعداداً متزايدةً من الطلبة، والحديث في ذلك يطول، في إلحاح «التعليم الجمعي» أو المشاركة الحقيقيّة بين الطلبة بأساليب حديثة، وهي هموم تربويّة ما تزال العقبة الكؤود أمام أبنائنا الحائرين بين نزوعهم إلى استخدام الأساليب الحديثة التي تواكب نموّهم العقليّ والثورة التقنيّة التي ليس لهم ذنبٌ في أنّهم يخوضون غمارها، والإذعان إلى أساليب تتأبّى على التغيير وتعارضه أو تماطله بحجج عريضة لم تعد تقنع طفلاً صغيراً، وكان الأولى من جدلية القديم والحديث أن ننتبه إلى قيم المواطنة والانتماء والتشاركيّة وتلافي ما أهملته مناهجنا في فتراتٍ على وعورتها ليست بقسوة متغيرات هذا الظرف الذي نعيش.

وإذا كانت الأمثلة كثيرةً، والشواهد تطول، فإنّها دعوةٌ لأن يقول المختصّون كلمتهم في المبادأة أو الاجتهاد أو الخروج من الصندوق في النظر والتفكير والاستدلال، فعلى سبيل المثال، مُصيبٌ من يرى أنّ حصّة «الفنّ» ما تزال لدينا تقليديّةً في مناهجنا التربوية، وواهمٌ من يعتقد أنّ الغاية الإبداعيّة من الفنّ هي أن نملأ صفحة بيضاء بألوانٍ كيفما اتفق، هكذا دون تصوّرٍ أو هاجسٍ إبداعي، خصوصاً والفنّ ينسحب على كثيرٍ من الحقول، ففي وقتٍ على الأقلام فيه ألا تُكسر أو تتداعى في تأطير حالات إنسانيّة أوسع وأعمّ، ما تزال تدخل علينا وبقوّة أفكار «غريبة» تتقصّد نقض المشروع الإنسانيّ في الفنّ والأدب وسواهما من ألوان الفكر والإبداع والتعبير، فهي مؤشرات أو نُذر لأن نخلص في تأطير الرؤية والانطلاق منها نحو حياةٍ جديدةٍ تؤمن بالمستجدات وتتمسّك بالثقافة العربيّة الإسلاميّة، ولكنّها الثقافة الإنسانيّة الواثقة في الرقيّ بالمجتمع والإنسان لتحقيق الإنجازات وتعظيم المكتسبات وتجاوز التحديات.

أوائل - توجيهي أردني