د. جودت أحمد المساعيد

في أواخر شهر أيار(مايو) من عام 1980، أَلقيتُ نظرة الوداع على جامعة كانساس Kansas الأمريكية، بعد ثلاث سنواتٍ ونصف من الدراسة الجادة فيها، حصلتُ خلالها على شهادة دكتوراة الفلسفة في التربيةPh.D.، تخصص المناهج وطرق التدريس، إضافةً إلى شهادة الماجستير الثانية في الجغرافيا، بعد ماجستير التربية من الجامعة الأردنية، وأقفلتُ راجعاً إلى جامعة اليرموك التي أوفدتني للدراسة في الخارج. وبدأتُ بعدها بالخبرة الثانية للتدريس الجامعي، بعد الخبرة الأولى في جامعة الملك سعود في الرياض، ولكن ضمن ظروفٍ مختلفة تماماً بين الحالتين. ففي الجامعة السعودية كنت محاضراً فقط، لأنني أحمل ماجستير التربية، في حين عُينتُ في جامعة اليرموك أستاذاً مساعداً لأنني حصلت على الدكتوراة، وبدأتُ بتدريس طلبة الماجستير منذ الوهلة الأولى، في حين اقتصر دوري في جامعة الملك سعود على تدريس مادتين لطلبة البكالوريوس تخصص الدراسات الإجتماعية، والإشراف على تدريبهم من خلال برنامج التربية العملية في المدارس المتوسطة بمدينة الرياض. ومع ذلك، فقد كانت لخبراتي الثرية والمتنوعة في الجامعة السعوديةالأولى، الأثر الإيجابي للتأقلم السريع في التدريس الجامعي الأردني.
وكانت الملاحظة الأبرز لقسم التربية الذي التحقتُ به في اليرموك آنذاك، سيطرة سن الشباب على الملتحقين به من أعضاء هيئة التدريس، وأن معظمهم كان من خريجي الجامعات الأمريكية، ووجود أربعة من أعضاء هيئة التدريس الأجانب من أوروبا والولايات المتحدة، مع وجود تخصصات عدة مثل المناهج وطرق التدريس، والإدارة التربوية، وعلم النفس التربوي، والقياس والتقويم، وأصول التربية، وندرة الرتب الأكاديمية العليا، حيث لم يكن من بين الثلاثين عضواً الملتحقين بالقسم سوى شخص واحد برتبة أستاذ، وآخر برتبة أستاذ مشارك، في حين حمل البقية رتبة أستاذ مساعد. وهذا ما جعل التنافس على أشدهِ بين الزملاء في الإنتاج العلمي المتنوع من بحوث، ومؤلفات، وأوراق عملٍ علمية مقدمة في مؤتمرات، وذلك من أجل العمل على الترقية إلى رتبة أستاذ مشارك.
وكانت تجربتي مع تدريس مقررات الماجستير من جهة، ومع الإشراف على رسائل الطلبة العلمية من جهةٍ ثانية جديدة للغاية، حيث ألقتْ هذه المهمة بثقلها الكبير على دوري الأكاديمي في القسم، وعلى سمعتي المتداولة بين طلبة الدراسات العليا. فقد اعتمدتُ بشكلٍ أساس على أحدث المراجع التربوية التخصصية الأجنبية التي أحضرتها معي من الولايات المتحدة الأمريكية، لا سيما وأن ما كان مطروحاً منها بالعربية آنذاك لا يرقى إلى المستوى المطلوب. ولكن ظهرت أمامي مشكلة جاءت هذه المرة من الطلبة أنفسهم، وتتمثل في ضعفهم الواضح في اللغة الإنجليزية عند تعاملهم مع المراجع الأجنبية، مما زاد من مسؤوليتي إزاء هذه المهمة، وذلك عن طريق ترجمة الموضوعات الأساسية من جانبي، وتوزيعها عليهم في بداية الأمر، مع الاستمرار في تشجيعهم على تحسين مستواهم في هذه اللغة الحيوية، بقراءة بعض الفصول بلغتها الأم ومناقشة معانيها الدقيقة، حتى تترسخ المفاهيم التخصصية في أذهانهم بشكلٍ سليم. إضافةً إلى ذلك، فإن المشاريع البحثية Research Projects، المطلوب منهم إنجازها، والعروض التقديمية Presentations الواجب منهم القيام بها، كان يتم توجيه مسارها من جانبي نحو التعامل بعمق مع اللغة الانجليزية، مما سهل عليهم عند كتابة رسالة الماجستير من العودة إلى أمهات المراجع الأجنبية، للاستفادة منها في تدعيم الإطار النظري والدراسات السابقة بالأفضل والأهم من المعلومات والدراسات. 
وكان للندوات العلمية التي يعقدها القسم من وقتٍ لآخر، الأثر الطيب للتوسع المعرفي نحو المجالات التربوية المختلفة، إذ كان بعض أعضاء هيئة التدريس يتحدثون في كل فصلٍ دراسي عن موضوعٍ تخصصي بشكلٍ متعمق، على أن يتبع ذلك مناقشات ثرية جداً، تزيد من فهم الأمور في تخصصات قريبة وبطريقةٍ تكاملية، تشجع على إجراء البحوث المشتركة، والمؤلفات الجماعية، كلما كان ذلك ممكناً. كما كان لاجتماعات مجلس القسم العديدة شهرياً حول مناقشة خطط رسائل الماجستيرM.A. Proposals الدور المفيد أيضاً لما يطرحه الجميع من آراء وأفكار، لها علاقة بمشكلة البحث، وأهدافه، وأسئلته، وفرضياته، وأهميته، وحدوده، ومحدداته، ومنهجيتهِ المتبعة، وعينته المختارة، وأدواته المختلفة، ومتغيراته المستقلة والتابعة،وتصميمه الإحصائي الملائم، ومراجعهِ المناسبة.
ومع ذلك، فقد كان العبء التدريسي لمن هم برتبة أستاذ مساعد مثلي آنذاك، يتطلب أيضاً تدريس مادة أو اثنتين لطلبة البكالوريوس. وكان الفرق يبدو شاسعاً بين تدريس المستويين. ففي مستوى البكالوريوس تبقى المتاعب أكثر، وعدد الطلبة أكبر، ولكن يظل التفاعل أقل، والخبرة لديهم تكاد تكون معدومة، بعكس تدريس طلبة الماجستير، حيث العدد شبه المثالي، وتبادل الآراء ووجهات النظر تسود جو الحصة في الغالب، والخبرة لديهم تفرض نفسها على المناقشات، والفائدة تعم على المدرس قبل الدارس.
وقد انتهزتُ فرصة تقبل الطلبة في المستويين السابقين، للجديد مما تعلمناهُ في الجامعات الأمريكية عن المناهج المدرسية المعاصرة، وطرائق التدريس الحديثة والفعالة، كي أُعطي خلفيةً نظريةً عن كل توجهٍ تربويٍ حديثٍ أو طريقةِ تدريسٍ معاصرة، على أن أعقبها بتطبيقٍ فعلي لكل ذلك على الطلبة أنفسهم داخل الحجرة الدراسية، عن طريق استخدام أسلوب المجموعات الصغيرة النشطة، حتى ترسخ المعلومة بدرجةٍ أكبر. وكم كنتُ أقوم بتصوير هذه الدروس التطبيقية بآلة التصوير الملونة آنذاك، وتحويلها فيما بعد إلى شرائح تعليميةSlides ، تستخدم من أجل حصصٍ قادمة، أو دورات تدريبية يتم عقدها فيما بعد، لا سيما وأن تقنية العرض التقديمي الالكتروني Data Show، لم تكن معروفة حينئذٍ، وكانت الشرائح تمثل قمة الوسائل التعليمية المتطورة. وما زلت أحتفظ حتى اليوم بتطبيقات بعض طرائق التدريس الحديثة آنذاك مثل الاستقصاء Inquiry، وحل المشكلات Problem Solving، والاكتشاف Discovery، على شكل شرائح Slides، بحيث أن كل طريقة منها محفوظة في الاسطوانة الخاصة بهاTray ، كذكرى لما كان يتم استخدامه من أنشطة ووسائل تعليمية في ذلك الزمن الجميل من التدريس الجامعي الأصيل - الرأي .

اوائل - توجيهي  .