ي

الهُوِيَّةُ التَّرْبَوية للمؤسسات التعليمية .

لم يعد تقديم المساقات التعليمية وحده ميزة تنافسية في المدارس الخاصة ، فالسّوق الأكاديمي مزدحم بالمواد الأكاديمية ، وأصبحت المِنَصَّات التعليمية عن بُعْد ، منافسا حقيقيا لهذه المؤسسات ، والتّحوُّلُ الرقمي الضخم الذي حصل أثناء جائحة كورونا باتجاه التعليم عن بعد، أنتج لدى أولياء الأمور شعورا بأن المدرسة يمكن الاستغناء عنها،  لولا حاجتنا للعلامات، التي تعتبر تصريح انتقال الطالب من صف إلى آخر ومن مؤسسة تعليمية إلى أخرى.

وللبقاء ، تحتاج المؤسسات التعليمية لميزة تنافسية، أكبر من مجرد تقديم المواد الأكاديمية ، فهناك مؤسسات تركز على المهارات التعليمية التفاعلية، المنسابة في الفصل الدراسي من خلال تقديم المادة الأكاديمية، والتي تُسْهِم في بناء شخصية الطالب ، كالأدوار القيادية ، والعمل الجماعي ، وأساليب التفكير المختلفة .

وهذه التربويات، على الرغم من أهميتها الكبيرة في بناء الشخصية، إلا أنها لازالت عملا غير منظم بشكل واضح في أغلب المؤسسات الأكاديمية في وطننا العربي .

لذا أقترح على المؤسسات التعليمية أن تبدأ بِمَنْهَجَةِ هُوِيَّتها التربوية ، لتكون هذه الهُوِيَّة عبارة عن خطة تنفيذية للرؤية والرسالة التي قامت المدرسة لتحقيقها – على افتراض أن الرؤية والرسالة صحيحتان من حيث المضمون والصياغة ابتداء - .

ما الذي أقصده بالهوية التربوية ؟

الهوية التربوية هي الأثر التربوي الذي تريد المدرسة أن تَــبـْنِـيه ، أو تعززه ، في شخصية الطالب خلال وجوده في المؤسسة ، وهو بناء تراكمي عبر سنوات من خلال بناء مستويات متعددة للأثر التربوي الواحد و / أو بناء آثار تربوية متعددة في شخصية الطالب .

ولتطبيق هذا على المدرسة اتباع الخطوات التالية :

  1. تَبَنِّي منظومة تربوية محددة وفقا لرؤية مختصين في المجال التربوي ، يتم استقاؤها من رؤية ورسالة المدرسة . 
  2. تقسم هذه المنظومة إلى أولويات تنفيذ، تُراعى فيها مسألة المراحل النمائية للطلبة.
  3. بناء مهارات تقديم هذه المنظومة لدى المعلمين باختلاف تخصصاتهم ووفقا لتخصصاتهم .
  4. بناء منظومة موازية تحت اسم " منظومة قياس جودة التطبيق – قياس الأثر " .

ومهارات التقديم تشتمل على العديد من المعايير ، والتي من أولها معايير التوظيف وانتقاء كادر يمتلك الحد الأدنى من من الهُوِّيَّة التربوية المراد تحقيقها في المؤسسة الأكاديمية . مرورا بمهارات انتقاء الأثر التربوي للتخصص ، وانتهاء بأساليب التقييم وأخذ المؤشرات قصيرة المدى وطويلة المدى .

إن الميزة التنافسية التربوية ، أصبحت أمرا لا مفر منه للمؤسسة التي تريد الخروج من عباءة المؤسسة الربحية " بالمفهوم التجاري " فقط ، فمن آثار جائحة كورونا ، إبراز أن الدور التلقيني في التعليم الذي كانت تلعبه المدارس، أصبح له بديل كبير ، وبديل مؤثر ، وليس بديلا واحدا بل تعددت البدائل ولدى الكثير منها جودة كبيرة .

لكن المفقود حاليا هو البديل التربوي ، فالاسرة لا طاقة لها بأن تكون بديلا تربويا كاملا عن مؤسسة المدرسة ، وكثير من المدارس مُتَّهمة بأنها لا تراعي الجانب التربوي في عملية التعليم .

إن عملية التربية لها مستويان ، الأول المستوى المرئي ، هو المجالات التي يتم استهدافها من قبل القائمين على عملية التربية ، والمستوى الآخر غير مرئي ، فلو لم تسهدف المدرسة التربية بأي شيء ، فإن الطلبة سيتأثرون ببعضهم وستترك العملية التدريسية في نفوسهم أثرا تربويا سواء لاحظ القائمون على التربية هذا أم لا .

يبقى التحدي القائم هو بإيجاد طرق ووسائل لتقديم هذه النظم التربوية من خلال أنشطة ممنهجة تصب في الهدف النهائي " الهوية التربوية " للمدرسة ، بحيث تكون أنشطة داخل المدرسة أو أنشطة عن بعد ، أسوة بالتعليم عن بعد والذي بدأ ينتشر والذي سيكون بديلا قويا عن التعليم النظامي .

لا يوجد مستحيل إلا في العقول ، والعقول الناضجة وأصحاب الخبرات الذين يمتلكون إرادة حقيقية بإمكانهم صنع هذا البديل ، وبناء الهُوِّية التربوية للمؤسسات ، إلا أن التحدِّي الحقيقي القائم أمام الوصول لهذه النتيجة ، هي العقلية الربحية والتي من أجلها أساسا قامت هذه المنشآت .

ولو فكر القائمون على هذه المنشآت الربحية بشكل صحيح لأدركوا أن واحدة من أقوى ضمنات " بقائهم الحقيقي " في سوق المنافسة ، يكمن في الإسراع في بناء الهوية التربوية لمؤسساتهم . 

 

مستشار تطوير التعليم

أحمد عبدالله .