غ

منذ فجر السبت، لحظة إعلان النتائج، امتلأت فضاءاتنا بتعليقات وتحليلات لهذه النتائج، يشير غالبيتها إلى نقد مرير ساخر، وجاء اهتمام الإعلام: المرئي من تلفزيون وصحافة ومواقع تواصل، والمسموع من إذاعات واتصالات وتعليقات، تأكيداً أو رغبة في فهم ما جرى وسيجري، أفاض معلقون ومحللون في النقد والتفسير، ولكن المعلومة المتكاملة ضاعت عبرها، وزاد الناس تيها وتوهانا، سأحاول في هذه المقالة أن أقدم صورة متكاملة لما جرى!
(1)
ما هو امتحان التوجيهي؟
حدد قانون التربية هذا الامتحان بما يأتي:
وكان هذا الامتحان عبر التاريخ التربوي: امتحان المترك الذي استمر حتى العام 1960 يصنف الناجحين إلى مترك أ ومترك ب، ويكتب على شهادة مترك أ: تؤهله علاماته إلى مواصلة الدراسة الجامعية، وفي سنة 1961/62 تم تغيير المترك إلى التوجيهي، ووصف القانون امتحان الدراسة الثانوية العامة “التوجيهي” بأنه امتحان يعقد في نهاية الدراسة الثانوية، ومنذ ذلك الحين لم يتغير شيء بشأن كونه امتحان قبول للجامعات، ولكن النظام التعليمي الجامعي لم يكتشف أي أداة غير التوجيهي للمفاضلة في قبول الطلبة.
وعبر الزمن تعرض امتحان التوجيهي إلى نقد شديد بسبب:

  • زيادة عدد الراسبين وليس غير الناجحين.
  • عدم العدالة، وانحيازه إلى طلبة مدارس عمان على حساب المناطق المهمشة.
    وقد تراوحت معدلات الطلبة في المترك والتوجيهي من الصفر وحتى 97، ولكن لم يتجاوز هذا الرقم أحد إلا في السنوات الأخيرة، وكان أول وصول للعلامة الكاملة في توجيهي 2019، ثم ما حصل في امتحان 2020 من تزاحم في العلامة الكاملة!
    وتساءل الناس هل هذا معقول؟ وعلى الأقل كيف يحصل طالب على علامة كاملة في الإنشاء أو التاريخ أو الثقافة العامة؟
    قد يكون لهذه الأسئلة ما يبررها وخاصة أن وزارة التربية تعاملت مع امتحان التوجيهي كأسرار خطيرة تمس الأمن القومي فلم يعرف أحد فنيات عقد الامتحان، وفنيات تصحيح إجابات الطلبة!
    (2)
    امتحان التوجيهي هذا العام 2020
    دارت أفكار عديدة لعقد امتحان 2020، وكتبت سيناريوهات مثل:
  • يقدم الطلبة الامتحان في ورقة واحدة في جلسة واحدة فقط، وقد تحمست الوزارة لهذا السيناريو ثم عدلت عنه.
  • يقدم الطلبة الامتحان في ورقتين: واحدة للعلوم والرياضيات وثانية للإنسانيات واللغات.. وكان موقف الوزارة من هذا السيناريو مماثلاً للسيناريو الأول!
    وتمت مناقشة أفكار أخرى مثل: تحديد هدف واحد أو اثنين لكل مادة دراسية، ليكون أساسا لامتحان توجيهي.
    وللأمانة، ربما فكرت الوزارة بهذه الخيارات في أثناء الأزمة، وأن بدت الأوضاع تنفرج حتى أحسّت الوزارة بالزهو وربما الحكومة، وفجأة طلعوا علينا بامتحان توجيهي عادي:
    ورقة لكل مادة نجحت الوزارة في إدارة الامتحان وشعر المجتمع بالارتياح لامتحان عادي وليس عن بعد.
    وهنا أتحدث عن تراجع واضح للوزارة، فلم تستغل مناخ كورونا لكي تقود عمليات امتحان إلكتروني أو حتى تعليم عن بعد. وبذلك عادت الوزارة إلى قواعدها بسلام لولا النقد المجتمعي الذي تعرضت له النتائج. فكيف نفسر هذه النتائج.
    (3)
    نتائج التوجيهي: محاولة للتوضيح!
    إن امتحان التوجيهي عبر التاريخ، كان يعقد على النحو الآتي:
  • تكلف الوزارة سراً عدداً من الفنيين في وضع الأسئلة للمادة ولا يطلع أحد على ما يفعلون، فواضعو الأسئلة هم وحدهم من يعرفونها- ولا يحق للوزير الإطلاع عليها- وكان الفاحصون يتلقون تعليمات حول تدرج الصعوبة، وشمول الأسئلة للمادة، وعدم وضع سؤال غير مباشر وليس له وجود محدد في الكتاب.
  • يكلف واضعو الأسئلة بوضع معايير الإجابة بدقة متناهية، حتى في الإنشاء يفصل الموضوع إلى عدد من المعايير: الأسلوب، المفردات، البلاغة..إلخ بحيث يتمكن أي طالب من الحصول على العلامة الكاملة. فالتصحيح يلتزم بهذه المعايير ويكون آليا.. بمعنى ليس لوجهة نظر المصحح أي دور!
    إذن! ليس سراً أن نقول:
    الفاحص يضع أسئلة ويحدد الإجابات وقيمة كل إجابة فالعملية آلية 100 % سواء حدثت بالآلات أم بأيدي المصححين.
    وهذا العام!!؟
    تعرض الطلبة لنكسات شديدة من إضراب المعلمين إلى أزمة كورونا إلى ضعف التدريس عن بعد، فلجأ القادرون إلى الدروس الخصوصية التي ازدهرت في ظل كورونا، وكان على الوزارة أن تقرر:
  • هل تحمل الطلبة مسؤولية ما حدث؟ وهل هذا سلوك مهني أو أخلاقي؟
  • هل تلقى الطلبة تعليماً كافياً؟
  • هل ما قدم من تعليم عبر الشبكة كان مفيدا؟
  • وهل امتلك جميع الطلبة الأدوات اللازمة للتعلم عن بعد؟
  • وهل كانت المنازل مهيئة لتكون مكانا للتعلم؟
    على ضوء هذه المعادلات كان على الوزارة أن تقدم وتدير امتحانا معقولا لا عاقلا، ومقبولا لا عظيما، فكان الامتحان:
  • بأسئلة سهلة نسبياً، وهذه حق للطالب، فالامتحان ليس كمينا لاصطياد أعداد كبيرة من الطلبة بطريقة موضوعية، تمكن الطلبة من الحصول على علامة كاملة إذا كانوا يحفظون الجزء المهم من المادة.
    فالامتحان سهل! والسهولة كانت ضرورة وحلا لعام دراسي لم نعلم الطلبة فيه الكثير!
    لم تقل الوزارة إنها أبدعت وعلمت، وأنها رفعت مستوى التعليم. ولو قالت ذلك لكنت أول الساخرين!! فالسهولة وارتفاع العلامات لا تعكس أبدا تطور التعليم، ولم تدّع الوزارة ذلك.
    (4)
    هل النتائج عاقلة؟
    جوابي نعم! وأسبابي هي:
  1. إن مدى الدرجات ممتد من الصفر حتى المائة، ومن لا يجيب عن أي سؤال يأخذ صفرا، ومن يجيب عن جميع الأسئلة يأخذ العلامة الكاملة 100. فإذا لم يجب ألف طالب عن أي سؤال فإنهم يأخذون صفرا، ولا يعلق أحد على هذه الأصفار! وإذا أجاب ألف طالب أو مائة طالب أو حتى طالب واحد عن جميع الأسئلة فإنهم يأخذون العلامة الكاملة مائة.
    ولو حصل عليها طالب واحد لوجدنا من ينتقد ذلك!!
  2. إن الامتحان سهل، ومن الطبيعي أن ترتفع العلامات كثيرا، فالامتحان ونتائجه مقبولة إذا كان سهلا، فالنقد يوجه لمستوى الامتحان لا لمستوى النتائج!! والامتحان هذا العام كان مناسبا للتعلم هذا العام وللظروف هذا العام.
  3. في الامتحانات الدولية قد- يكسر بعض الطلبة العداد- ويأخذون ما يزيد على العلامة الكاملة بخمس درجات أو أقل. ولو حصل ذلك أردنياً لما تقبل الجمهور ذلك. ومن الطبيعي أن تجد بين أربعين طالبا أردنيا في برنامج أجنبي من يحصل على علامات كاملة ومن يحصل على علامات فوق الكاملة.
    إن عيوب النتائج هذا العام – من وجهة نظري- ليست في السهولة وارتفاع المعدلات فلم ينتبه أحد إلى زيادة نسبة الراسبين ونقص نسبة الناجحين، وهذا ما لم أكن أتمناه! ما يجب أن يكون هو أن نسبة الناجحين يجب أن تكون 100 % ممن تقدموا الامتحان من المنتظمين دراسيا.
    ليكن نقدنا:
    لماذا تراجعت الوزارة عن التعليم عن بعد؟ والامتحان عن بعد؟ ولماذا تراجعت عن التعليم المدمج؟
    ولماذا تريد أن تسوق الطالب يوميا إلى مدرسة لم ننجح في جعلها جاذبة، ولم نضع فيها معلمين مؤهلين جيدا؟
    ولماذا تصر الوزارة على أن التعليم هذا العام هو تعليم مواجهة وليس عن بعد؟
    أما أن نقول: النتائج أحرجت الجامعات، فهذا خير كامل، لأن القبول هو مشكلة الجامعة وليس التوجيهي!
    (5)
    تأملات
  4. قال فهد الخيطان إن نتائج التوجيهي تعكس أننا مجتمع عباقرة، وأقول بكل احترام للصحفي المبدع: لا علاقة للتعليم ولا التوجيهي بالتفكير. إنهم يحفظون وينسون ولا عباقرة ولا يحزنون.
  5. لم يفكر أحد في الراسبين في التوجيهي ومعظمهم أو النسبة الكبيرة فهم راسبون في التعليم المهني! يعني أغرقنا السوق بمن لا فرص عمل لهم، وحرمنا المهنيين من الحصول على شهادة تسمح لهم بالعمل.
    إن نسبة الرسوب في التعليم المهني أن لا أحدا يشجع الالتحاق بهذا التعليم، ثم نبكي على التخصصات “الراكدة”.
  6. لو لم تفعل وزارة التربية ما فعلته لأضافت مأساة جديدة إلى حياة الأردنيين. إن النتائج خلقت فرحا وبهجة كنا بحاجة لها، حتى لو كانت غير حقيقية، لا خطأ أبدا في زيادة ثقة الشباب بأنفسهم.
  7. إن التحدي الآن أمامنا هو: كيف نجعل نتائج التوجيهي 2020 نتائج حقيقية تعكس تحسن مستوى التعليم!!
  8. وأخيراً! هل هناك فرق كبير بين من حصلوا على 100 ومن حصلوا على علامة ثمانين بعد مرور شهر على النتائج؟
    هل يتساوى الجميع بعد شهر هل سيحتفظون بما حفظوه!
    قد لا أؤيد نتائج توجيهي 2020، ولكنني لن أعترض عليها بل ولن أغضب إذا صارت سياسة دائمة.

*باحث تربوي